Saturday 4th May,200210810العددالسبت 21 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

أزمة حداثة.. «عربية».. أزمة حداثة.. «عربية»..
عبدالعزيز السماري

هل ستصبح أحداث فلسطين الأخيرة القشة التي ستكسر ظهر البعير الليبرالي أو «الحداثي» العربي، وهل سترميه إلى حالة من التردد والرغبة في أن يختار إما الكفر بحداثة الغرب ومنتجاتها التي فشلت وسقطت في تصحيح الخلل التاريخي الأخلاقي المتوارث في حضارة الغرب المسيحي المادية، أو إصدار بيان تندد خلاله بتبعات تلك التركة المعرفية المتراكمة، وعلى أهمية التعامل بحذر مع مضمونها الأناني والمفرغ من حقوق الآخر في العيش كريماً وبعيداً عن شرط الرضوخ لأدوات السيطرة الغربية؟.
إن محاولات التصحيح والخروج من تلك الرؤية الأنانية العنصرية، أرسى بداياتها فلاسفة العقل الأوائل في عصر النهضة، وهم من تأثر بالفلسلفة الإسلامية العابرة لحدود المتوسط، ومن حاول فتح المنافذ العقلانية لتسهيل الخروج من ثقافة السيطرة وإلغاء حقوق الأغيار من حق الاختيار والحياة في كرامة.
يعتبر تحريف منهج عيسى عليه السلام الرباني، وتلبيسه دروع يشوع وإعادته عبر تأول بولس التلمودي للإنجيل، وتنسيب المسيح عليه السلام إلى بني إسرائيل ثم إعادة الإنجيل إلى العهد القديم «: الاستيلاء الاول على اهم مصادر التحرر من تلك اللزمة العنصرية والرغبة السلطوية الأحادية التي تمنع الآخرين من حق العيش على الأرض الموعودة»، فالغرب المسيحي لم يتمثل من اليهودية الحقة قيّمها الخلقية وإنما صورة الإله غير الحقيقي والقومي العنصري المحارب. لتأتي بعد حين انتفاضة «مارتن لوثر» والتمرد من مرجعية السيطرة باسم الكنيسة الكاثولوكية، وعلى تقاليد سلطة المسيحية التقليدية البدائية وإعلانه الزواج جهرا على مسمع من الملأ مع تعاليم العهد القديم، وهي المرحلة التي دشنت انتقال رغبة السيطرة والاستغلال إلى الإنسان «المتفوق» دنيوياً وعرقياً، وإلى الأخذ بمشروعية أخلاقيات شعب الله المختار، التي تحدد أطراً لعنصرية التعامل الأخلاقي وجعله حكراً على الذات، ونافيا للآخر من حق تطبيقاتها الإنسانية. لم تفارق هذه اللزمة معظم أطروحات الحداثة والفلسفة الغربية، ولم تستطع أنساق الحداثة المتوالية والمتمردة على التقليد الموروث تجاوز تلك العقبة نحو ترسيخ اخلاقيات إنسانية لا تستثني «الأفريقي» أو الصيني أو العربي.. المسلم وغير المسلم.. من تطبيقاتها على وجه الأرض. إن هذا النمط التطهيري العنصري في مرجعية الأخلاق «اللوثرية» هو الذي برر تصفية وتطهير أرض الله الموعودة من الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، وهو الذي بارك معارك الإبادة لسكان الأرض الأصليين في أستراليا، هي الأطروحات التي أنبثقت منها أطروحات القوة والتفوق العرقي وموت الإله ثم موت الإنسان، لتصبح بعدها الفاشية والنازية ومن بعدها الشمولية «الليبرالية» والعولمة الاستعمارية ومنهج وحدانية السوق صوراً مكررة لمضمون حروب الصليبيين الأوائل، ومجازر الأندلس، ولصور التطهير العرقي في البوسنة.. ولمأساة فلسطين وحروب التهجير والتطهير من الأشباح التي تسكن الأرض الموعودة.. لتأتي بعدها تراجيديا أفغانستان كامتداد لأزدواجية معايير الأخلاق الغارقة في مطلق الأنا الحداثية، ولنا أن نتساءل عن استمرار لزمة مشروعية قتل وتهجير وكراهية الآخر وتطويع قدراته وثراوته لخدمة «شعب اللوثرية المختار» ومهما تطورت أو تغيرت الأطروحة الفلسفية. إن مضمون الخلاف مع الغرب، ليس من آليات إدارية تنظيمية كالديموقراطية أو تقانية كالثورة الصناعية والمعلوماتية مثلا، إنما مع فرض مرجعية الأخلاق البروستاتنية اليهودية عند التعامل مع الآخر أيا كان..، وهي التي تجلت بكل وضوح في تصريحات بوش واعوانه والتي رأت أن «المعتدي» هو رجل السلام، وعلى أصحاب الأرض الأصليين، الاستسلام لرغبة الأنا الحداثية «الغربية» والمتشبعة بتعاليم التلمود في النزوح والهجرة والاستيطان على أرض الله الموعودة..، أرض فلسطين..، وفي حق الاستيلاء على أراضي وثروات وبترول الآخر. فكل ما يملكه «الأغيار» هو حق لأتباع السفسطائية اللوثرية الحداثية.. فرضته أولاً وعود إله بني إسرائيل كما يزعمون، وبررته بعد ذلك نظريات وإطروحات الإنسان المتفوق عرقيا. حدث ذلك في جنوب أفريقيا وفي أستراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية.. ونفس المضمون يكاد يسيطر على تعاملاتهم الاقتصادية والتجارية سواء مع الماس الأفريقي أو البترول العربي وغيرهما من المنتوجات الإستراتيجية.
أين يكمن الخلل؟
وما هي تأثيرات أرض وطبائع الإنسان الأوروبي على رسالة عيسى عليه السلام، وهل موروث أخلاقيات القبيلة الأوروبية ما قبل المسيحية، هو الذي بدل رسالة المسيح الإنسانية إلى رسالة عنصرية مزدوجة المعايير على أرض الواقع؟.
أسئلة يطرحها واقع الحال على مفكري ومنظري الحداثة العربية.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved