Saturday 4th May,200210810العددالسبت 21 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

المقاطعة بين التروِّي والاندفاع! المقاطعة بين التروِّي والاندفاع!
رقية الهويريني

تزداد في الآونة الأخيرة المطالبة بمقاطعة السلع والمنتجات الأمريكية احتجاجاً على موقفها الداعم للعدوان الإسرائيلي، وتختلف الآراء والاتجاهات بين مؤيدٍ ومعارض، ولا سيما بعد أن بادرت بعض الشركات الأجنبية إلى تخصيص جزء من أرباحها كتبرعٍ لإسرائيل!!
والحقيقة أن المطالبة الوقتية التي تأتي نتيجة لقرارٍ ارتجالي، غالباً ما يشوبها الخطأ بسبب الاندفاع العاطفي، وكثيراً ما تنتهي المطالب بانتهاء السبب! ويعود الناس لإلغاء الحظر النفسي ويندفعون بصورةٍ أكبر لاقتناء المنتجات التي حظروها في وقتٍ مضى!
ولو نظرنا للحروب الموجهة ضد المسلمين في جميع بقاع الأرض لوجدنا أنها حرب عقائدية، وهي إذاً مستمرة إحقاقاً لقوله عز وجل {ولّن تّرًضّى" عّنكّ اليّهٍودٍ ولا النَّصّارّى" حّتَّى" تّتَّبٌعّ مٌلَّتّهٍمً} والملة لا تعني الطقوس الدينية من صلواتٍ وعباداتٍ فقط، بيد أنها ثقافة واتجاهاتٌ فكريةٍ تحمل في طيّاتها موروثات قائمة على المصالح هدفها إدخالنا في ماراثون للجري وراءهم وتقليدهم في عادات استهلاكية بالأكل والنوم واللبس، وحتى قضاء أوقات الفراغ التي غالباً ما تعود على المرء بالضرر في الدنيا والآخرة.
وحول العادات الاستهلاكية الضارة فيما يُسمى بالمأكولات الخفيفة والسريعة فتؤكِّد إحدى التخصصات في الطب الطبيعي بأمريكا أن تلك المأكولات التي تصدر للدول العربية دون مستوى الجودة بكثير، وأن الفئات مرتفعة الدخل هناك لا تُقبل عليها ولا سيما أن بعضها ثبت أنه يتسبب في أمراضٍ خطيرة كالسكر والسرطان! وحددت المتخصصة أنواعاً معروفة في أسواقنا تستهدف الأطفال بالذات! لأن الدول الصناعية غالباً ما تنظر للمردود الاقتصادي لها دونما النظر لمصلحة الأمم!!
والواقع أن السلع الأمريكية ليست هي المتهمة في خطورتها فحسب، بل إن الشركات المتعددة الجنسيات معظمها تابعة لأمريكا حتى ولو لم يكن مصدرها هناك. ويعشق بعض التجار الانتساب للشركات الأجنبية اعتقاداً منهم أنها تمنحهم ثقة المستهلك! وقد يدفع أحدهم مبالغ كبيرة في سبيل الحصول على إذن لاستخدام الاسم التجاري في حين أنه يستطيع أن يحصل على ثقة المستهلك بالصدق والأمانة والإشراف المباشر على أعماله مع التأكيد على أنه ينبغي محاربة الثقافة الأمريكية ذات النمط الاستهلاكي، بل العادات الضارة في المأكل والملبس سواء كان مصدرها أجنبياً أو محلياً! كما لا بد من تربية الأبناء على سلوك الاعتماد على المنتج المحلي المفيد، وتأصيل الثقة به مع ضرورة المساهمة الفعَّالة في النقد البنَّاء والتشجيع حتى يتمكن المنتج من الدخول بقوة في السوق المحلية ومنافسة الأجنبي وذلك باتخاذ مبدأ الانتشار والتسويق مع قبول الربح القليل بحيث يضمن قبول المستهلك وثقته، وبالتالي يمكنه تغطية التكاليف مع هامش الربح المعقول.
إن فكرة الاستغناء التدريجي عن المنتجات الأجنبية يبدو صعباً، إلا أن هذه الصعوبة ستنتفي مع إيجاد البدائل والتكيف والقناعة الشخصية لأن المحرِّك في ذلك الاتجاه هو فكري بالدرجة الأولى، وللمجتمع قدرةٌ قوية على رفض المستورد وإجبار التجار على إيجاد البديل الذي يطالب به المستهلك دائماً على أن يحمل نفس جودة المستورد. وهذا مطلبٌ شرعي إلا أن البديل لا يتحقق إلا بإلحاح من المجتمع، حيث الحاجة هي أم الاختراع وعائلته وموطنه!!
إن المطالبة بالمقاطعة الحالية ما هي إلا اندفاعٌ شكلي ولا بد من توجيهه إلى تفكيرٍ وتروٍّ وإستراتيجيةٍ مستقبلية، وهذه مهما طالت مدتها فإنها حتماً ستوصلنا إلى نتيجةٍ واقعيةٍ وفعَّالة، وهذا التفكير وتلك الإستراتيجية تعني الإبقاء على الوضع الحالي مع التوجيه والترشيد والتوعية بأن ما يصلنا ما هو إلا نفايات أو منتجات صناعية مفرطة في فخامة الشكل وغلاء الثمن وماركات وهمية تناسب النزعة النفسية لدينا، وتجعلنا ندور في فلكها ولا نستطيع الفكاك منها نتيجة للتقليد والمباهاة التي تسكننا وتُدخلنا في أنماطٍ استهلاكية على الرغم من أننا أمة مدعوةٌ لأن تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع وإن لم تفعل فقد تحوَّلت من أمةٍ مستقلة لديها اكتفاء ذاتي إلى أمةٍ معتمدةٍ تعيش في هلعٍ وخوف وتبعيةٍ تُشعرها بالهوان. والاكتفاء الذاتي مهما كان ضئيلاً إلا انه يشعرها بالقوة والشجاعة والصبر، إضافة إلى أننا مطالبون- نحن المسلمين- أن نأكل مما يلينا لأنه يناسب تكويننا الجسدي والنفسي وإمكانياتنا البيئية..
فهل نُقدم؟!

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved