* القاهرة مكتب الجزيرة شريف صالح:
أصبحت الأزمة الحضارية التي يعيشها العالم الآن كابوساً مريراً .. وراح المفكرون والمثقفون يراجعون أنفسهم .. ما الذي أوصل البشرية إلى هذا المنعطف؟ مراجعة للذات ومراجعة للآخر .. ومحاولة لرسم خرائط جديدة للحضارات الإنسانية .. وفي هذا السياق أقامت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية مؤتمرها السنوي فيما بين 23 أبريل إلى 25 أبريل حول التقاء الحضارات في عالم متغير: حوار أم صراع؟! وتم عقد ثماني جلسات فكرية رصينة على مدار ثلاثة أيام شارك فيها حشد غفير من المفكرين والمثقفين العرب والمصريين،ومن بينهم: محمود أمين العالم، حسن حنفي، محمود علي مكي، محمد نور فرحات، شوقي جلال، العفيف الأخضر، صلاح قنصوة، ليلى عنان وغيرهم.
وعقدت الجلسة الأولى برئاسة محمود أمين العالم وشارك فيها حسن حنفي وأنور مغيث وعبد المنعم الجميعي وعبد الله نجيب وكانت تحت عنوان «صراع الحضارات وحوار الثقافات».
في البداية افتتح رؤوف عباس رئيس الجمعية المؤتمر بكلمة موجزة قال فيها إنه لا يشعر بالارتياح لمثل هذه القضايا، لكن الذي طرحها هو الأحداث الجارية وبحث الغرب عن «عدو» وإعادة ترتيب القطبية في العالم، واستمرار الهيمنة الأمريكية.
وفي تقديمه للندوة قال محمود أمين العالم: قلبنا أم لم نقبل نحن معولمون، نحن حضارة واحدة رغم أننا في مرحلة رأسمالية، ولأننا نؤمن بالتاريخ فهي ليست نهاية التاريخ. وحرص العالم على التفريق بين معنى الحضارة ومعنى الثقافة، فالأساس هو الثقافة التي تشمل الأدب والتاريخ وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وعلاقة الإنسان بنفسه والمعنى العربي يعطي هذه الدلالات «تثقيف الرمح» وفي الإنجليزية تعنى «الزراعة». من هنا فإن الحضارة الجديدة لا تلغي الثقافات السابقة عليها وإنما تلغي الحضارات السابقة عليها، فاليوم نحن نعيش حضارة واحدة لكن هناك بقايا ثقافات قديمة.
وبدأ حسن حنفي كلمته من نقطة ساخنة حيث وجه النقد الذاتي إلى ثقافتنا نحن، فالنظم السياسية وضعها لا يسر والأحزاب محاصرة وكذلك الجامعات. وقال إننا بحاجة إلى مؤسسات المجتمع المدني لنقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى أكثر تطوراً، لكننا نعاني من قصور في الوعي نتيجة لافتقارنا للوعي التاريخي.
وأضاف أنه منذ نهاية عصر الاستقطاب والغرب يبحث عن شريك «أوروبا» وعن عدو «افريقيا» . واعتبر أن ما يبدو على الولايات المتحدة الآن مظهر ضعف لا مظهر قوة، فخلال العشر السنوات الأخيرة اختفى القطب الشرقي وبقي القطب الغربي وبدأت الحاجة إلى فكر نظري جديد، فشهدنا منظومتين في الفكر: الأولى تخدم المركز القوي وتطرح مفاهيم العولمة وثورة المعلومات والقطب الواحد. والمنظومة الأخرى تصدر أو ترسل إلى الأطراف مفاهيم: صراع الحضارات والأقليات والمجتمع المدني وحقوق المرأة. وأصبح دور المثقف العربي مجرد شارح لمفاهيم تأتيه من الخارج. فهل نستطيع في عالمنا العربي أن نتجاوز مرحلة شرح المفاهيم التي تأتينا من الآخرين؟.
المركز يعلم والكلام لحسن حنفي أن الأطراف ما زالت مرتبطة بثقافاتها المحلية في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وأننا لم نصل إلى مرحلة القطيعة بين القديم والجديد، ويعلم أيضا أن الجوهر في الهوية وفي القديم، من هنا هو يصدر إلينا مفهوم «صراع الحضارات» لنرد عليه بمفهوم «حوار الحضارات» والحقيقة أن مفهوم الصراع ليس بريئا وإنما المقصود به الاستيلاء على الأسواق، وكذا مفهوم ثورة المعلومات يعني أن من يحصل عليها يصبح الأقوى .. وهكذا في المفاهيم الأخرى.
وفي نهاية كلمته يضرب حسن حنفي عدة أمثلة للكشف عن حقيقة هذه المصطلحات الرائجة الآن، فمن نماذج صراع الحضارات المبكرة الاسكندر الأكبر الذي سعى إلى نشر الثقافة اليونانية خارج اليونان تسانده آلة عسكرية ضخمة. وفي العادة كلما بدأ التغريب وكرد فعل تظهر الحركات الأصولية التي تحدث شقاقا في بنية المجتمع.
ثم تأتي كلمة الدكتور عبد المنعم الجميعي التي لخصها حول الحملة الفرنسية على مصر وبداية حكم أسرة محمد علي، باعتبارها من النماذج الفاضحة والمفصلية للدلالة على ما يسمى الآن ب«صراع الحضارات» .
فعندما قدم نابليون أتى معه حوالي 160 عالماً في جميع التخصصات تقريبا وأتى بقيم حضارية غريبة على المجتمع المصري، حتى أن الجبرتي المؤرخ الشهير لم يخف إعجابه بهذه الحضارة الوافدة. ثم جاء عصر محمد علي الذي واصل الاتصال بالحضارة الغربية رافضا الانكفاء على الذات.
ومن طرح النماذج المختلفة للصراع الحضاري وكيفية إدارته على النحو الأمثل، إلى محاولة التأصيل الفلسفي بدأ الدكتور أنور مغيث كلمته مؤكدا أن من المهام الأساسية للفلسفة نقد الخطاب المعرفي، فالفلسفة تنشأ من ثقافة معينة لكنها تكون طامحة للتجاوز والالتقاء بالثقافات الأخرى لصياغة اتفاقات فكرية عامة.
ثم أضاف مغيث أن العالم الآن يواجه مجموعة من المشاكل الكبيرة مثل تلوث البيئة ومخاطر السلاح النووي وغيرها، ولم يعد بمقدور ثقافة واحدة مهما كانت أن تواجه هذه المشاكل بمفردها. من هنا فإن حوار الحضارات من الناحية الفلسفية ضرورة ملحة، وليس المقصود منه «تحسين» صورتنا لدى الآخر وإنما المقصود هو مواجهة هذه المشكلات الكونية الكبرى بالاتفاق مع الآخر. فإذا كانت السياسة عندما تتحاور تضع ما يسمى ببرنامج «الحد الأدنى» فإن الثقافات حينما تتحاور يراد منها أن تضع للبشر برنامج «الحد الأقصى» للاتفاق على قيم إنسانية مشتركة.
وجاءت كلمة الدكتور عبد الله نجيب لتؤكد على مجموعة من النقاط الأساسية منها أن الثقافة أشمل من الحضارة، وهي بطبيعتها تميل إلى التعدد إلى درجة «التفتت» من ناحية «ثقافات محلية» وتميل من ناحية أخرى إلى وحدة إنسانية «مشترك إنساني» .
بهذا المعنى يصبح التعدد الثقافي جزءاً من حركة الإنسانية بوجه عام، والملاحظ أن الغرب دائما كان ينزع إلى «تنميط» الثقافة في العالم، ووصلت الأمور إلى ذروتها فيما يسمى بالعولمة أو الهيمنة الأمريكية.
كما أكد نجيب على أن الصراع الحضاري بين الشرق والغرب قائم وموغل في القدم، كانت الغلبة حينا للشرق فسادت حضارات ما بين النهرين والفرعونية وغيرها، وكانت الغلبة حينا آخر للغرب فسادت الرومانية والآن الغربية .. وعندما ازدهرت الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى وصل العرب الفاتحون إلى جنوب فرنسا ووصل الأتراك العثمانيون بعدهم إلى فيينا وهنا تعمقت الكراهية للمسلمين لدى الغرب البدائي آنذاك سواء أكان المسلم عربيا أم فارسيا أو تركيا، بل أصبحت كلمة «تركي» تعنى في الثقافة الغربية «المسلم» . وثمة رواسب عن الكراهية والحقد ما زالت حتى الآن تظهر في كثير من الأدبيات في العرب، كما تظهر محاولات تعويق الحضارة العربية الإسلامية لأنها كما يقول نجيب الوحيدة القادرة على التغلب والتنافس أمام مشروع الهيمنة الثقافية الأمريكية.
كما تطرق نجيب إلى مجموعة من المفاهيم المصدرة إلينا من الغرب والمراد منا تطبيقها وفق التصور الغربي، فمثلا مفهوم «الديمقراطية» وإصرار الغرب على تطبيق نمط معين من الديمقراطية، وهو ما يرفضه نجيب مؤكدا أن الثقافات الافريقية المحلية عرفت أشكالاً من الديمقراطية تختلف عن النمط العربي، ولو طبقنا النمط الغربي القائم على الاختيار العددي فإن القبلية الأكثر عددا تحكم في افريقيا حتى وإن لم تكن جديرة بالحكم وهذه الديمقراطية الشكلية مرفوضة، كما عرف العرب قبل الإسلام الديمقراطية دار الندوة نموذجا والشورى في الإسلام نموذجا آخر. إذن الديمقراطية ليست حكرا على الغرب حتى لا يفرض علينا نمطا معينا منها.
وبالمثل بقية القضايا الأخرى مثل هيمنة اللغة الإنجليزية على العالم، وهيمنة الثقافة الأنجلوساكسونية، كلها إشكالات تطرح تحديا وتفرض بالضرورة رد فعل عكسي مقاوم لها.
على هذا النحو استمرت الجلسة الأولى حوالى ثلاث ساعات لم تنقطع فيها المناقشات الساخنة ومحاولات الإجابة عن قضايا كبرى .. وتراوحت الرؤى ما بين التشاؤم بأن الثقافة العربية لن تفيق قبل مائة عام من الآن، وما بين التفاؤل بأن ما يجري حاليا يمكن أن يكون الحافز الأساسي في نهضة مرتقبة في الغد القريب.
|