* رام الله نائل نخلة:
«ما تعرضت له وزارة التربية والتعليم هو مذبحة إدارية بكل ما تحمل الكلمة من معنى» كلمات قالها الدكتور نعيم أبو الحمص وكيل وزارة التربية وشيء شبيه بالدمع يلمع في عينيه واصفا الحملة الشرسة التي تعرّض لها مقر الوزارة في رام الله.
ثلاثون دبابة وعشرات ناقلات الجنود المصفحة، إلى جانب 150 جنديا مدججين بالسلاح ونية التخريب والعبث والدمار اقتحموا في الرابع من نيسان المقر العام لوزارة التربية والتعليم في رام الله.
يقول أبو الحمص «كان بداخل مقر الوزارة ثلاثة موظفين عالقين هناك أثناء الاجتياح، اتصل بي أحدهم ليخبرني أن الدبابات تحاصر المقر طلبت منهم الخروج، إلا أن جنود الاحتلال استخدموهم كدروع بشرية في عملية الاقتحام التي طالت أكثر من 40 غرفة وإدارة من بينها إدارة الامتحانات والمالية والأرشيف الوطني».
لقد كان الجنود على علم بطبيعة المكان الذي اقتحموه، مزودين بخرائط دقيقة، ويعرفون ماذا يريدون، فجّروا كل الأبواب الخارجية والداخلية، وسمع الأهالي القريبون من المكان أكثر من 15 انفجارا هزت المنطقة، لقد كانت أصوات الانفجارات في الأبواب الداخلية للمكاتب وباب الخزانة الرئيسية التي سرقوا منها 40 ألف شيكل ودمروا ملفات نتائج امتحان الثانوية العامة منذ العام 1960 وحتى اليوم.
وكانت حصيلة العملية العسكرية الاسرائيلية في مقر الوزارة التي تشرف على تعليم مليون طالب فلسطيني تدمير أكثر من 40 كمبيوترا وسرقة جميع محتوياته، إتلاف السيرفرات الرئيسية وأجهزتها وشبكة الربط الداخلي، تفجير 4 خزانات ونهب محتوياتها، تخريب أقسام اللوازم والمالية والامتحانات وتحطيم 12 سيارة تابعة للوزارة إضافة إلى إتلاف جميع الملفات والأرشيف والوثائق.
بعد يومين من التدمير الاسرائيلي لمقر الوزارة كانت فرصة أبو الحمص لزيارة وزارته برفقة فريق إخباري من ال CNN لتصوير وتسجيل الخراب والدمار.
يقول أبو الحمص «والمسيرة في السيارة كنت أنظر إلى الشوارع الخالية إلا من الدمار الهائل كنت أتساءل مع نفسي: هل هذه المدينة التي أعيش أم لا؟».
لقد دمرت سلطات الاحتلال أثناء غزوها للعاصمة الإدارية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية في رام الله نحو 16 وزارة إضافة إلى عشرات المؤسسات غير الرسمية والمكاتب والمحال التجارية والمرافق العامة والبنى التحتية «شاهدت بأم عيني تدمير مقر وزارتي الأشغال العامة والمواصلات، لقد كان التدمير بعد الاجتياح، أي بعد أن سيطرت القوات الغازية على المدن الفلسطينية» يقول أبو الحمص.
ويرى الدكتور الشاب وكيل الوزارة إن الظروف التربوية التي تعيشها فلسطين الآن هي ظروف مأساوية، «نحن في الوزارة لم تدمع أعيننا من هذا الوحش الإرهابي وإرهاب جيشه ودباباته وطائراته، ولكن دمعت أعيننا عندما رأينا الأطفال وفي اليوم الثاني وبعد عشرين يوما من الاجتياح وهم يلبسون زيهم المدرسي ويتجهون إلى مدارسهم» يضيف أبو الحمص.
وتبين الإحصائيات والأرقام أن خسائر الطفولة الفلسطينية كانت قاسية جدا، وهناك صعوبة بالغة في تحمل المزيد، وأي عدوان جديد من الممكن أن يشكل بداية النهاية للمؤسسة التربوية الفلسطينية.
هذا الشهر تكون الانتفاضة دخلت شهرها العشرين بسجل ثقيل من الخسائر في سلك التربية والتعليم الفلسطينية، فقد سقط نحو 400 طفل فلسطيني برصاص الاحتلال منهم 190 طالب وطالبة على مقاعد الدراسة و11 معلما، وثلاثة موظفين.فقط وخلال الاجتياح الأخير لمدن الضفة الغربية سقط 30 شهيدا من أسرة التربية والتعليم منهم 9 معلمين وواحد وعشرين طالبا وطالبة.
ويشير السجل الدموي للأسرة التعليمية أن عدد الجرحى وصل إلى 2544 منهم طلبة ومعلمون وقصف واقتحام 185 مدرسة.
أما المدارس التي تعطل فيها الدوام بسبب الأوضاع الحالية فهي 850 مدرسة واعتقال 146 طالب تقل أعمارهم عن 18 عاما و50 معلما إضافة إلى إغلاق عسكري لسبع مدارس بالكامل وتحويل 25 مدرسة إلى ثكنات عسكرية والبعض الآخر تم احتلاله وتحويله إلى مراكز اعتقال جماعي وتحقيق واستجواب ونشر عدد من القناصة بداخلها.
جيش فلسطين الجديد
بالرغم من هذا السجل الثقيل والمؤلم الذي ألقى بظلال ثقيلة على كاهل أسرة التربية والتعليم الفلسطينية التي بدورها وصفت العام الدراسي الحالي بأنه الأصعب في تاريخ التعليم الفلسطيني قرروا وفي اليوم الثاني من انسحاب القوات الغازية من المدن والقرى والمخيمات على أن تفتح المدارس أبوابها.
وخرج الصغار ليكونوا جيش فلسطين الجديد، خرجوا إلى مدارسهم واستجاب مليون تلميذ فلسطيني وخرجت معهم أسرهم لكي تبدأ حملة إصلاح وإعمار لإعادة الحياة إلى فلسطين.
وحتى تتضح الصورة كما يقول وكيل وزارة التربية والتعليم إن جيش الاحتلال يتعامل مع القرى والمدن الفلسطينية على أنها نقاط لا يود بينها أي اتصال وبالتالي فإنه يشل ويعيق حركة 30 ألف معلم في الضفة، مما دفع بالوزارة إلى مناشدة طلاب الجامعات والمعاهد العليا الفلسطينية وأساتذة الجامعات للالتحاق بالمدارس القريبة منهم لتعويض النقص.
وعمدت الوزارة إلى تمديد العام الدراسي الحالي حتى 10 حزيران لكي تتعامل مع هذه الظروف الصعبة، كذلك تأجيل امتحانات الثانوية العامة إلى 17 حزيران.
وأمام هذه الخسائر التي يقدرها أبو الحمص بملايين الدولارات يبدي وكيل الوزارة حيرته في كيفية تدبر أمر 50 ألف طفل جديد ينضمون كل عام إلى سلك التربية والتعليم مما يعني بناء ما بين 70 80 مدرسة سنويا لاستيعابهم.
وتتراكم المسؤوليات والتحديات على كاهل أكثر الوزارات حيوية للشعب الفلسطيني، أكثر من 9 ملايين كتاب مدرسي يجب طباعتها كل عام، تعويض الأضرار التي لحقت بالمؤسسة التربوية والتعليمية الفلسطينية والتي تقدر بعشرات ملايين الدولارات.
مع العلم أن ميزانية وزارة التربية والتعليم تقدر ب 200 مليون دولار سنويا، تذهب 185 مليون دولار رواتب للموظفين، وما تبقى تسمى الميزانية التشغيلية وحتى الأخيرة لم يكن بالإمكان توفيرها مما دفع بوكيل الوزارة توجيه كتاب إلى المدارس لتغطية فواتير الماء والكهرباء والهاتف وغيره من النشاطات من ميزانية المدرسة والمجتمع المحلي.
مئات الصور والوثائق التي تظهر الدمار والخراب في الوزارة وتناثر قطع أجهزة الكمبيوتر والأثاث والملفات والأوراق والكتب والأقراص المضغوطة أرفقت مع الرسائل التي وجهت إلى المؤسسات ذات العلاقة.
ولكن، كما يقول أبو الحمص «مئات التقارير وآلاف الرسائل والاجتماعات مع هذه المؤسسات كانت النتائج أنها لم تغير من مواقف اسرائيل قيد أنملة».
مما يعني أنه لا ضمانة إطلاقا ألاّ تتكرر الاعتداءات الاسرائيلية المبرمجة والمتتابعة على جهاز التربية والتعليم الفلسطيني الذي تتهمه الدولة العبرية «آخر احتلال في القرن الواحد والعشرين» أنه جهاز يدعم الإرهاب ويحرض على العنف؟.
|