كم كان ابن خلدون شامخاً - ولم يزل- عندما كتب مقدمته الشهيرة وأرسى في طياتها بعض قواعد الفكر الاقتصادي التي ساهمت في بنائه وانفرد بها عن غيره من العرب، ليأخذ الغرب بعده في ريادة هذا الفكر فتسيطر النظرية الرأسمالية عليه ثم تحكم سيطرتها بانهيار النظرية الاشتراكية.
وإذا كانت الريادة العربية للكثير من العلوم قد آلت الى الغرب، فإن ضياع ريادة الفكر الاقتصادي من العرب تعني للأمة العربية، التي تختزن أرضها الطيبة ثروات وموارد اقتصادية مختلفة وكبيرة، خسارة فادحة تتجسد في العقبات الكأداء التي تقف أمام تنمية الاقتصاديات العربية والاستغلال الأمثل لثرواتها ومواردها الاقتصادية.
وعلى الرغم من هذا الكم -الملحوظ- من الأكاديميين والمتخصصين العرب في علم الاقتصاد، إلا أن تعثر مسيرة التنمية الاقتصادية العربية تشكك في دورهم في بناء فكر اقتصادي خلاق قادر على جبر عثرة هذه المسيرة. ذلك أنه يصعب عملياً أن نطبق فكراً اقتصادياً غريباً على اقتصاد يحمل مواصفات متميزة تشكل هيكله الاقتصادي العام بما يتضمنه من ثوابت وأيدلوجيات وأعراف وبيئة وممارسات خاصة.
هذه المواصفات المتميزة تتطلب تعاملاً خاصاً ليس في ممارسة الفعاليات الاقتصادية فحسب، وإنما في الفكر الاقتصادي الذي يحكم ويوجه تلك الممارسات وهو فكر يتطلب أن يكون متميزاً ومنطلقاً من جذور المجتمع وخلايا تفكيره وتكوينه. والمتتبع لطروحات الأكاديميين والمتخصصين العرب في الاقتصاد في خضم الندوات والمؤتمرات الاقتصادية العربية لا يلمس ذلك التميز، ولا يستمع فيها إلا إلى أوراق عمل تحلل أرقاماً وتسرد بيانات ولا تطرح فكراً يمثل قاعدة لمسألة التنمية الاقتصادية. وهي المسألة التي تشمل في طياتها كل جوانب الاقتصاد نظرية وتطبيقاً.
وفي المسائل الاقتصادية، يكون الإنسان - بالضرورة- هو محور الاهتمام وهو ساحة التنفيذ. إذ يمثل الإنسان أداة التنمية وهدفها.
والإنسان العربي غير الإنسان الغربي ديناً وفكراً وموروثاً. والنظرية الاقتصادية الصحيحة هي تلك التي تستطيع أن تستوعب هذه العوامل وتتفاعل معها حتى يكون تطبيقها سبباً لنجاحها ومكملاً له، وتشكل مع غيرها فكراً اقتصادياً ذاتياً يحمل سمات الإنسان المعني به ويكون قادراً على إدراك رغباته وأحواله وقابلاً للتعامل معه.
هنا تكمن الخسارة في ضياع الريادة العربية للفكر الاقتصادي، ويباح اللوم الذي نلقيه على الأكاديميين والمتخصصين العرب في علم الاقتصاد الذين اكتفوا بالترديد وتقاعسوا عن الابتكار والتأصيل والتفرد.
حقاً.. كم كان ابن خلدون شامخاً - ولم يزل- عندما كتب مقدمته الشهيرة.
(*) رئيس تحرير مجلة «عالم الاقتصاد» |