يبدو أنَّ أقصر الطرق لمن يهرب عن الآخر هو أن يصبغ وجهه بمسحة الغضب، ولأنَّ الناس تهرب من رمضاء الصيف، وقهر الأحداث، فإنَّها أيضاً تهرب عن الأوجه «القشرة»... ذلك لأنَّها لم تعد تحتمل «غثاء» الواقع، و«غثاء» البشر...
أحد المسؤولين في دائرة «خدمية» وجد نفسه في ملاحقة مع «الوجه العبوس» حتى أنَّه ظنَّ أنَّ طبيعة عمله لا تفرض عليه سوى التعامل مع هذا الأنموذج من الناس...، ولأنَّه لا يمضي في منزله أكثر من ساعات النوم، وبعضاً من لحظات يحدث أن توافق موعد وجبة من وجبات الطعام فيتناولها كالضيف مع أهله، فهو كما يقول يصعب عليه تبديل قناع وجهه... حتى أنَّ زوجه جاءته ذات يوم لتسأله: هل من شروط عملك أن تكون صاحب وجه غاضب؟... أمْ أنك استلمت مع وثائقك هذا القناع؟
وذهب صاحبنا يفكر كثيراً في سؤال زوجته، حتى أنَّه عندما لم يجد جواباً مقنعاً أخذ يستعيد أحداث الأيام التي مرت به منذ أن تسلم أول مهمة من مهَّام عمله فماذا سمع، وماذا رأى، وماذا فعل هو في مقابل ما سمع وما رأى:
لقد وجد صاحبنا أنَّ كلَّ وجه قابله يرتدي قناع الغضب... وأنَّ كل موقف مرَّ به يبعث على الغضب، وأنَّ كلَّ لفظ سمعه يستحثُّ الغضب، وأنَّ لا مجال للابتسامة أبداً في مجال ما يعمل ولا مع من يعمل... وهو بذلك ذهب يرتدي قناع الغضب ومن ثمَّ تعود عليه...
مما يثير الدهشة في حديث صاحبنا أنّه حاول ذات مرة أن يقف منفرداً مع نفسه أمام مرآة كبيرة كي يرى وجهه، ويتعرَّف على تقاطيعه... فلاحقه الصغار، ولم تتركه زوجته، ذلك لأنهم لا يلتقونه إلاَّ نادراً... فذهب إلى مكان قصي في الدار... يحمل مرآته... وبعد أن وقف إليها، واستوى أمام نفسه، لم يتعرَّف وجهه... يقول: وجدت جبهتي قد تغضَّنت، ورُسمت بخطوط مستطيلة، لم تتلاش مع كلِّ جهد بذلته لذلك...، أما عيناي فلقد وجدت فيهما جحوظاً لم يكن...
حاولت الابتسام تعذَّر عليَّ، حتى فمي أدركت أنَّه يستعصي عليه فعل ذلك...
مثل هذا الأمر ليس طبيعياً...، توهَّمت أنني مصاب بمرض ما، وحسبت أنَّني فقدت جزءاً من شخصيتي...، وذهبت لأبعد من ذلك، إذ أيقنت بأنَّ عليَّ مراجعة الطبيب...، كنت عندما أستغرق في حديث مع نفر من الأصدقاء وأسمعهم يضحكون... أتلمَّس شفتي... أحاول أن أصغي لصوتي... فأجد فمي مغلقاً... ولا صوت لي... ولا ينتهي الأمر إلى ذلك، بل تلاحقني تعليقات صحبي: ما أنكدك...
لكنني في النهاية وجدت أنَّ هذا القناع هو الأكثر أماناً لي...
إذ: يحترمني الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم... ولا يجرؤ أحد ما على اقتحام «خصوصياتي» وبالتالي يوفرون عليَّ مهمة الاعتذار... أو سوء الانبساط...، ووجدتهم معي يحسبون حساباً للموعد، وللاتفاق، وللكلمة... ولكل أمر... لذلك عدت فقلت: كشِّر، تسلم... والنجاة هي مقصد الإنسان في هذا الوقت...
غير أنَّه قبل أن ينهي حديثه قال: فقدت مع ذلك حب الآخرين، وثقتهم... وعرفت أنَّهم يهابونني غير أنَّهم قد لا يحترمون نهجاً مثل هذا من رجل إنسان لا يفضلني عنهم عمل ولا سواه!!
صاحبنا هذا بعث إلينا بكثير من التساؤلات ولَّدتها قصته مع «الكشرة» أو «التكشيرة» أو «لمحات الغضب»،...: ترى كم من أولئك الذين يبدلون نعيم الحياة إلى جحيم... فقط لأنَّهم يحمون أنفسهم من اقتراب الآخرين؟... وهل الحياة تحلو في التفرد؟ أم هي منظومة تآلف... أول مفاتيحها السُّحنة الباسمة الراضية الوديعة؟.
|