يقال ان العقل زينة العالم، وقد يختلف الناس في تعريف العاقل، فما بال العقل ذاته؟ وقد يكون العقل هو المنطق؛ إن لم يكن المنطق أعوجاً، ولعل معضلة العقل أنها ميزة تفرد بها الانسان عن سائر مخلوقات الله، وهو تميز تكريم وتكليف؛ والتكريم يضفي على الانسان المسؤولية والمكانة والتكليف يضعه تحت طائلة المحاسبة والعقاب، ولهذا يتفق العقل مع المنطق عندما يتمثل الانسان بمنهج التفرد، وقد يفسر بعض علماء الرياضيات هذاالتفرد بإيمان العاقل بأن 1+1=2 فقط، وبأن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، وربما يعترض بعض الفلاسفة على الركون الى مثل تلك المسلمات الكونية للحكم على عقلانية الانسان، باعتبار ان العقل يجب ان يخضع للتجربة والاختبار حتى يمكن الحكم عليه وعلى توافقه مع المنطق، ويعتقد بعض الفلاسفة ان المنطق هو ساحة اختبار العقل، ولا يمكن ان يحدد العقل المنطق، وتفترض هذه الرؤية ان المنطق هو الأصل الثابت، والعقل هو التابع المتغيّر،
ولو طرحت هذه الرؤية على السياسيين والاقتصاديين، فإنها ستجسد حدة الخلاف في الفكر الانساني بين فئتين متباينتين تعتقد كل منهما أنها الأولى بميزة التفرد، وقد يكون العمل على رأب هذاالخلاف مستحيلاً؛ إذ يعتقد السياسيون ان العقل السياسي السليم يتمثل في قدرته على تكييف المنطق لخدمة المهمة السياسية، ولهذا، فإن ميكيافيلي يكون سياسيا عاقلا عندما تبنى منطق ان الغاية تبرر الوسيلة، وعليه، قد يسهل علينا استيعاب غضب الاقتصاديين عندما يتهمون السياسيين بأن السياسة قد لوّثت الفكر الانساني؛ إذ يرتكز الفكر الاقتصادي على المنطق الذي يجب ان يتفق معه العقل السليم، وقد برهنت أبجديات النظريات الاقتصادية على هذا المنهج الفكري الأصيل، والذي استطاع التغلب على مزاجية وأهواء العقل الانساني بإرغامه على الرجوع الى المنطق عندما تحيده رغباته عن جادة المنطق الطبيعي، وقد ارتكزت النظريات الاقتصادية الأساسية على هذه الرؤية وتمخضت عنها نظريات تشكّل عصب الفكر الاقتصادي مثل نظرية العرض والطلب ونظرية تناقض المنفعة الحدّية، مع حرص الاقتصاديين على الالتزام بالمنهج العلمي في تأطير الفكر الاقتصادي بافتراض بقاء الأشياء الأخرى على حالها عند بناء النظرية الاقتصادية؛ وهو المنهج الذي يعبر عن أسلوب الرجوع الى المنطق والتحكم في وجهة العقل، وقد يعتقد البعض ان طرح هذه الرؤى هو نوع من الترف الفكري أو ضرب من السفسطة البرجوازية لا تستوي على جودي يفرز معان ذات قيمة؛ إلا ان تشعب مناهل الحياة التي يعيشها الانسان في العصر الحديث والصراع غير المتكافىء بين السياسة والاقتصاد، قد يستوجب مثل هذاالتعامل مع تفنيد الأسس التي يرتكز عليها السياسيون والاقتصاديون بصفة خاصة في معالجة القضايا التي تحكم مصائر الناس للوصول الى كلمة سواء تضع الأمور في منطقها السليم وتحميها من شذوذ العقل، ومن المنطق ان ينحاز الاقتصادي لفكره ونظرياته، وان يسعى لترسيخ مبادئه وتفعيلها، واللبيب بالإشارة يفهم!،
* رئيس تحرير مجلة عالم الاقتصاد |