العبد يقرع بالعصا، والحر تكفيه الإشارة، مثل نردِّده كثيراً، ونحن نستعرض حالة الغافلين منا الذين تتكرر الإشارات وهم في غفلاتهم، أو نحن نحث أبناءنا ومن حولنا على سرعة الفهم وحضور الذهن، وربما أردفناه بالمثل الآخر «إنَّ اللبيب بالإشارة يفهم». ولا شك أن الإشارة لغة خاصة يفهمها أصحاب الأذهان الحاضرة، فهي تغني عن ألف عبارة كما يقال ويمكن اختصار العدد فنقول: الإشارة تغني عن مائة عبارة.
المهم أن يستوعب ذهن المتلقي الإشارة ويدركها ويتفاعل معها.
والإشارة المعبرة بعيدة عن الإبهام والإلغاز، بل هي إلى الإيضاح أقرب وبه أَلْصق، فهي تشبه السهم الموجه إلى الهدف مباشرة دون أنْ يُحدث في انطلاقته ضجيجاً، واللبيب الواعي هو الذي يستطيع تحديد مدلول كل إشارة توجَّه إليه للإفادة منها.
ولغتنا العربية لغة «البيان والتوضيح»، وهي مع ذلك لغة الإشارة والتلميح، وفي أسلوب الإشارة أدب التوجيه الصحيح، بعيداً عن الإثارة والتجريح، كما أنها في أحيانٍ كثيرة تبعد الحديث عن الوقوع في مغبَّة الكذب والتزوير.
وهي إلى جانب ذلك تريح المستمع والقارئ من مشكلة الشرح والتفصيل والكلام الطويل، الذي يكون مدعاة للخلل، وسبباً في حصول الملل.
والإشارة بهذه الأوصاف دليلٌ على ذكاء مرسلها ومستقبلها الذي يفهمها، وفيها جانب من الرُّقي في الخطاب والسموِّ في الذوق، ورفع مستوى التفكير والوعي عند المتلقي لها.
عندما أنزل الله تعالى سورة «النصر» أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه أن عبداً دعاه سيده وأنه سيجيب دعوته، ولم يفطن إلى هذه الإشارة إلا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حيث أدرك أن سورة النصر إيذان بقرب لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم لربه.
وحينما بعث عليه الصلاة والسلام يوم الأحزاب من يتأكد له من غدر بني قريظة طلب منهم أن يستخدموا لغة الإشارة إذا تأكد لهم الغدر حتى لا تحدث البلبلة في نفوس المسلمين.
والخليل بن أحمد حينما تأكد له عدم استيعاب الأصمعي علم العروض طلب منه أن يقطّع له عروضياً قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئاً فدعْه وجاوزه إلى ما تستطيع |
وهي إشارة إلى عدم قدرة الأصمعي على تعلُّم العروض، وفهم الأصمعي الإشارة ولم يعد إلى مجلس الخليل مرة أخرى، بل اتجه إلى الرواية والأدب فبرع فيهما.
ومن أبلغ أنواع الاشارة، أحداث الحياة ووقائعها، واللبيب هو الذي يفهمها ويستوعبها، وقديماً قال بعض السلف: إني لأرى أثر معصيتي من خلال جموح دابتي، وعصيان امرأتي.
واللبيب في زماننا هذا من يفهم الإشارة فهماً يجنبه العواقب الوخيمة في زمان أصبح فيه للأعشاب وليمة.
وقد نعى الله على قومٍ قصور فهمهم لمعاني الإشارة التي وجهت إليهم فقال: {فّمّا لٌهّؤٍلاءٌ پًقّوًمٌ لا يّكّادٍونّ يّفًقّهٍونّ حّدٌيثْا }.
* إشارة:
الحرُّ تكفيه الإشارة.. أليس كذلك؟
|