لقد كانت بعض الأسر العربية تتحرج حياءً وهي تذهب إلى «الملهى الليلي» في بعض العواصم العربية التي توجد فيها هذه المرابع ولا تفعل ذلك إلا لماماً بعد تنويم الأطفال.. لكن الحال الآن خرج عن دائرة الحرج والتستر والكتمان وصار التلفزيون العربي الفضائي «ملهى ليلي كبير» يدخل كل البيوت وفي كل الأوقات ولكل الأعمار، ليس هذا فحسب فلقد دأبت بعض القنوات التلفزيونية على تعزيز وتجسيم وتلميع صورة الفنان العربي في نظر المشاهد رغم كل الانحطاط الذي يعانيه بعضهم على نحوٍ يجعله رمزاً وقوة لكل الأجيال العربية.. كيف لا وهو يرى هذا الاهتمام والاحتفاء به من كل القنوات وكل البرامج وكل المتصلين.
أتذكر من ذلك مثلاً أن إحدى القنوات صارت تعلن ولمدة شهر كامل وتبشر المشاهد بأنها ستعرض له حصراً في قناتها فقط وللمرة الأولى سيرة الفنانة «العظيمة» نبيلة عبيد وعلى حلقات مسلسلة، فمن هي نبيلة عبيد.. وهي تعرض سيرتها للمشاهد وفي حلقات؟!!.. ومن هي نبيلة حتى تصف لنا معاناتها وتضحياتها! التي بذلتها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه؟!
قناة أخرى احتفلت بإحدى «المذيعات» هالة سرحان وهي بالمناسبة امرأة «مصرقعة» وعندها من النرجسية والمشاكل النفسية ما لا قبل لأحدٍ بتحمله، وقد فتحت لها هذه «القناة» الفرصة، لا لتبدع ولكن لتنفس عن مشاكلها الشخصية وتنافس كما ترجو طليقها عماد الدين أديب، والواقع أنها لا تملك هذا الحق ليس لأن زوجها السابق أفضل منها فقط.. ولكن لأنها لا تملك الإبداع، فما تقدمه ليس إلا محاكاة لبعض البرامج على النسق الأمريكي في طريقة التقديم والعرض أو أن تتحرى اختيار بعض المواضيع المثيرة والممنوعة. وليس اعتراضي على اختيار المواضيع ولكن على طريقة عرضها وتقديمها وعدم حياديتها، فهي منحازة، دائماً، لما تعتقد أنه «الصحّ»، وميكروفون الرأي في يدها تمنحه لمن تشاء وتمنعه عمّن تشاء، ولأن حبل التصرف كان متروكاً ل«هالة» على غاربه فقد استضافت ذات مرة في أحد برامجها ممثلتين متهمتين في شرفهما لتدافعا عن نفسيهما.. وجاءت هالة بحشد من الجمهور ليشهد المرافعة والمداولة والبراءة (لا أدري ما هو دور الجمهور الحاضر.. طالما أنه لا يشارك إلا بالتصفيق كاستجابة عاطفية لبكاء الممثلة) فمن هو الذي اتهم هذه الممثلة أو تلك؟.. إنه بوليس الآداب وسلطة الأمن الداخلية في بلد الممثلة.. فلماذا اختارت مقدمة البرنامج الممثلتين فقط.. ولماذا لم تأخذ رأي الشرطة المتجنية! على هاتين الممثلتين؟.. أنا لا يشغلني في الواقع موضوع هاتين الممثلتين بقدر ما يشغلني نوعية المواضيع وتفاهة المطروح ومساحة الممنوع والمسموح في هذا الفضاء المباشر.. وتعزيز مساحة «التلميع» والترفيع والترقيع لكل باهت وهابط ومفضوح، خاصة وأن العالم العربي يضجّ بأهل المعاناة والمشاكل من الكادحين.. المتعبين الذين يحتاجون للالتفات والدعم والتشجيع عوضاً عن إدخالنا في هذه المواخير وإشغالنا بأحطّ طبقات المجتمع وأعني بعض المطربين والمطربات والممثلين والممثلات هل بالغت في التأسي.. ودخلت منفعلاً دائرة التجني؟!
لنر غداً!!
|