شهد القطاع الصحي السعودي تطوراً كبيراً خلال العقدين الماضيين تمثل في إقامة العديد من الصروح الطبية العملاقة، وتم تجهيزها بأحدث الأجهزة الطبية الحديثة التي تضاهي مثيلاتها في أوروبا وأمريكا، والمتتبع لمسيرة النهضة والتنمية الصحية سيقف عند محورين مهمين:
الأول: المستوى الرفيع الذي وصلت إليه المراكز الطبية المتخصصة بالمملكة التي استطاعت بتجهيزاتها الحديثة وكوادرها الطبية ان تقدم أحدث أساليب العلاج داخل المملكة في معظم الحالات خاصة تلك التي كان علاجها في السابق لا يتم إلا من خلال السفر للخارج.
المحور الثاني: الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة عبر ميزانياتها وخططها الخمسية المتتالية لتوفير الكوادر البشرية الوطنية التي تقود تسيير العمل في هذا القطاع بفروعه الطبي والفني والإداري ويمكن القول ان إنشاء الكليات الطبية في الجامعات السعودية المختلفة ساهم بقدر مهم ومميز في توفير الكوادر الطبية في جميع التخصصات ووصلت الى أرقى المستويات العلمية، وأثبتت قدرتها الأكاديمية والعملية في المحافل الطبية الاقليمية والعربية والعالمية بأبحاثها المميزة التي قدمتها في العديد من المؤتمرات الدولية.
وإضافة إلى ذلك شهدت المرحلة السابقة إقامة العديد من المعاهد العلمية التي ساهمت بتخريج الأفواج المتتالية سنوياً في التخصصات الطبية المساندة المختلفة والتي انخرطت في العمل لهذا القطاع الحيوي الهام بمواقعه المختلفة.
وبالرغم من التطور الكبير الذي نلمسه في قطاع التعليم الطبي والصحي لتوفير الكوادر البشرية إلا أنه أمام التقدم الكبير والانجازات الضخمة التي حققها هذا القطاع في قفزات أشبه بالمعجزات نجده مازال في حاجة شديدة الى الكوادر الطبية البشرية المدربة لمواجهة خطط التوسع الكبيرة في هذا القطاع.
فالصورة لا تقبل المقارنة من حيث الانجازات أمس واليوم ففي عام 1370ه كان عدد المستشفيات في المملكة لا يتجاوز (11) مستشفى وبعض من المراكز الطبية المتفرقة في مناطقها المختلفة ليقفز العدد اليوم متجاوزاً إلى نحو 332 مستشفى تابعة للقطاعين الحكومي والخاص إضافة إلى أكثر من 1778 مركزاً صحياً.. هذه الانجازات الحضارية تحتاج الى المزيد من الكوادر الوطنية المؤهلة علمياً وعمليا وهذا ما تسعى إليه الدولة حاليا ضمن خطط مدروسة لتوفير احتياجات هذا الجانب.
والأرقام توضح انه بالرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في هذا الاتجاه لتوفير الكوادر البشرية الوطنية اللازمة لاحتياجاته إلا أن الفجوة مازالت كبيرة وقد تستمر لعدة سنوات وعقود أخرى لسدها.
وبالتالي نعتقد ان التوسع في مجال التعليم والتدريب الصحي والتشجيع والتحفيز لراغبي الدراسات الطبية سيساهم بقدر كبير في توفير الكوادر الوطنية الطبية البشرية اللازمة لهذا القطاع وبكفاءة عالية.
وتشير الاحصاءات والتقديرات الى ان حجم السعودة في هذا القطاع مازال بعيداً عن الطموحات حيث لا يتجاوز ال11% من جملة العاملين به في بعض المناطق ترتفع الى 18 في مناطق أخرى.
وبالنظرة الى الواقع العملي في جناح العملية الطبية التي ترتكز على عمودين أساسيين الطاقم الطبي من الاطباء والاستشاريين والطاقم الفني من الكوادر الطبية المساعدة كأطقم التمريض والفنيين والمسعفين وما إلى ذلك نجد ان القطاع الصحي يحتاج إلى نحو 90 ألف ممرض وممرضة، الأمر الذي يفرض ضرورة مهمة في التخطيط التعليمي الطبي بإنشاء المزيد من الكليات والتوسع في إنشائها وتشجيع المتقدمين والمتقدمات إليها حيث ان جملة الخريجين والخريجات في قطاع التمريض سنويا يظل رقما متدنيا، أما الاحتياجات المطلوبة في هذا القطاع حيث ان الخريجين يتجاوز ال150 سنويا بقليل.
ومن واقع قراءة رقمية حديثة نجد ان عدد الأطباء في القطاع الصحي يصل الى أكثر من 30281 والتمريض نحو 65 ألفا والصيادلة 5455 والكوادر الطبية المساعدة أكثر من 33275 وبتحليل الارقام نجد أن المعدل 6 ،1 طبيب لكل ألف شخص والأسرة 33 ،2 وتعكس هذه الارقام الأهمية الكبرى بمضاعفة عدد الكليات والمعاهد الطبية والصحية الموجودة حاليا أمام الحاجة القصوى الى المزيد من الكوادر البشرية الطبية في كافة التخصصات.
وستشهد الفترة المقبلة مع البدء في تطبيق نظام الضمان الصحي التعاوني المزيد من اقامة المنشآت الطبية لتلبية الاحتياجات المطلوبة في المملكة التي حقق بها هذا القطاع تطوراً مميزاً وإنجازات هائلة وضعته في المرتبة ال26 ضمن قائمة أفضل الدول من حيث أنظمة الرعاية والعناية الصحية على مستوى العالم من بين 179 دولة في هذا التصنيف المحكم عالميا.
وهذه المرتبة وصلتها المملكة بفضل الجهود التي بذلتها حكومتها الرشيدة من تنفيذ الخطط التي وضعت في أولوياتها الأساسية والقصوى صحة المواطن والعناية والرعاية به الأساس في مسيرة التنمية والتي تكلفت بلايين الدولارات ووصلت بالخدمات الطبية الى تغطية جميع أنحاء المملكة بمساحتها الواسعة والكبيرة وأتاحت في نفس الوقت الفرص أمام القطاع الخاص السعودي للقيام بدور هام في تقديم الخدمات الطبية رفيعة المستوى، وشجعت على الاستثمار في هذا المجال الذي حقق فيه القطاع الخاص قفزة علمية وعملية لا تقل عن مثيلاتها في العالم.
واليوم نرى مراكز طبية سعودية في القطاع تقدم أرفع الخدمات الطبية وتقوم بإجراء العمليات الدقيقة والحرجة التي كانت حكراً على مراكز قليلة متخصصة حول العالم لكنها تجري اليوم وفي كافة التخصصات بنسب نجاح تفوقت على مثيلاتها حول العالم.
مدير عام مستشفى المركز التخصصي الطبي |