* لونارد - لندن:
انتشر استعمال الخط العربي كظاهرة متميزة في العمارة العربية الإسلامية التي نراها على طول ارجاء الوطن العربي الاسلامي المترامي الاطراف - من اطراف الصين شرقا الى جنوب اسبانيا غربا -، وقلما تخلو اسطح وواجهات المباني التقليدية التي نراها في مختلف المدن العربية من نماذج بديعة من الخطوط العربية التي تعكس اوجها من تقدم الحضارة العربية الإسلامية في الفنون الحرفية اليدوية. ذلك ان هذه النماذج من الخطوط العربية انما رقشت ضمن المباني كجزء من الزخارف الداخلية والتصميم الداخلي للمبنى، وغالبا ما كانت عبارة عن آيات من القرآن الكريم، او ما يعكس الايمان والتوحيد.
واستخدام الحروفية في العمارة العربية الإسلامية انما يعد تعبيرا عن العقيدة الإسلامية التي تحظر استخدام التجسيم او التمثيل، والذي كان سائدا في العمائر التي سبقت الاسلام، حيث حفلت العمارة الرومانية والبيزنطية والمسيحية الاولى والقوطية وغيرها بالتماثيل والرسومات العارية المنقوشة بالفسيفساء وانماط اخرى ملونة تكسو الواجهات المعمارية. وبغض النظر عن مضمون هذه الاضافات الفنية في العمائر التي سبقت الاسلام، فقد اضفت هذه الرسومات عليها بعدا فنيا من ناحية وعمقا وغنى من ناحية اخرى، وادى ذلك التجسيم لدى تفاعلها مع الظل والنور الى تباين رائع على الواجهات مما اكسبها بعدا جديدا. ولذا فقد نحا المعمار المسلم منحى مماثلا، بيد انه قد انطلق من وحي عقيدته، فاستخدم الخط العربي والحروفية العربية باساليب بديعة، وقد تكامل هذا الاستخدام للحرف العربي مع التشكيلات والزخارف الهندسية النباتية باستخدام الالوان. وكان الناتج قطعا فنية رائعة الجمال، فاقت ما سبقها من ابداعات الامم السابقة، كما انها سطرت على جدران المباني كلمات خالدة اضفت الى الرسالة التي تؤديها العمائر رسالة اخرى سماوية من خلال الآيات القرآنية والحكم وغيرها مما يرقى بالفكر والحضارة بدلا من التماثيل والرسومات العارية التي تعكس الانحلال وتداعي المجتمع.
والخطوط التي استعملت في هذه الغاية تراوحت بين خطوط النسخ والثلث، واشهر هذه الخطوط المستعملة على الاطلاق كان الخط الكوفي. والخط الكوفي المستعمل يتعذر حصره، اذ ان هذا النوع من الخط يخضع لقواعد فنية عامة، بيد ان به ما لا يحصى من البدائل والاجتهادات التي تركت لابداعات الفنان المسلم. واشهر انواع الخط الكوفي المستخدم هو الكوفي المورق والذي هو مزيج من الحروفية العربية بشكل ممطوط رأسيا ومنسجم هندسيا بالاضافة الى احتوائه على تشكيلات نباتية رائعة تتكامل مع الحروف المستعملة، وبذا فان الناتج النهائي يعكس لوحة فنية تعبر عن ذوق رفيع عدا عن مضمون الكلمات المستخدمة والمعاني التي تعكسها الحروفية. وقد شاع استخدام الحرف العربي بدون تنقيط في فترة معينة، او استخدام الحرف بشكل تجديدي، مما يؤكد ان الحروفية العربية كانت تعبيرا فنيا بالدرجة الاولى عدا عن كونها وسيلة للاتصال والتخاطب، وبكلمات اخرى فقد استعمل الحرف العربي في العمارة كتشكيل فني لا ككلمات ذات معنى فحسب.
كذلك فقد عبر الفنان المسلم عن هذه الابداعية باستخدامه لمختلف المواد ورقش خطوطه على مختلف الاسطح والفراغات ضمن الاحيزة المعمارية. فقد استخدم الجص، والزليج، والحجر، والطوب المزجج، وبالوان متعددة. كما نقش الخط العربي على الابواب والقمريات ذات الزجاج الملون، وعلى القباب والقبوات مما يدل على براعة وحرفية عالية وذهن هندسي بابعاد ثلاثة. ولا يكاد يخلو مبنى من المباني التقليدية من روائع الخط العربي الجميل. مما يرمز الى كينونة الفن الاصيل كجزء متكامل مع العمارة. وهكذا فقد كانت العمارة والفن العربي والحرف اليدوية توأم لا ينفصلان ويعبران عن حضارة سامية عريقة تستمد اصولها من قيم واخلاق رفيعة عبر ويعبر عنها خطنا العربي الجميل.
|