Sunday 19th May,2002 10825العدد الأحد 7 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

علاقة الأدب بالتاريخ علاقة الأدب بالتاريخ
ندوة عن الآخر في الروايات والتاريخ والأمثال الشعبية

* القاهرة مكتب الجزيرة شريف صالح
هل يمكن أن تصنع الروايات تاريخا؟ هل يمكن قراءة التاريخ من خلال النصوص الأدبية؟ ما العلاقة بين المثل الشعبي وعِبَر التاريخ؟ ما الفرق بين مصطلح «الفرنجة» ومصطلح «الصليبيين»؟
عشرات الاسئلة فرضت نفسها في ندوة «علاقة الادب بالتاريخ» ضمن فاعليات المؤتمر السنوي للجمعية المصرية للدراسات التاريخية وادارها الناقد المعروف الدكتور عبدالمنعم تليمة.
بداية تحدثت د. منى طلبة عن علاقة الادب بالتاريخ، وامكانية تحليل النصوص الروائية كمادة اساسية في مناهج التاريخ وفلسفته، فأكدت على ان هناك فجوة واسعة بين «الوثيقة» وبين التصور الكلي لحدث من الاحداث، وهذا يعني الحاجة الى النص الادبي وتبني مناهج مشتركة بين التاريخ والنقد الادبي وقد تبنى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور هذه العلاقة وتقنيات كتابة النص الروائي والنص التاريخي، مؤكدا ان المؤرخ ينتقي من «الوثائق» ما يخدم الحبكة التي يريدها «لنصه»، بزعم انها «حقيقة» بينما النص الروائي يقدم عدة افتراضات للحدث الواحد دون زعم انه يقدم الحقيقة، وهذه الافتراضات المتعددة تجعل النص اقرب الى الحقيقة فعلا.
وتضرب منى طلبة عدة امثلة للروايات والقصائد التي تناولت احداثا تاريخية تخص الصراع الاسلامي/ القشتالي وسقوط الاندس، فمثلا كتب الشاعر الفرنسي شاتوبريان «مغامرات آخر بني سراج» عام 1826، وكتب الامريكي واشنطن ارفنج «حكايات الحمراء» 1829.
وكتب احمد شوقي المصري عدة قصائد منها «الرحلة الى الاندلس» و«اندلسية» و«موشح صقر قريش» وكتب الفرنسي آراجون قصيدة «مجنون الزا» عام 1963م وفي 1990م كتب الاسباني انطونيو جالا المخطط القرمزي، وبعد عامين كتب الباكستاني طارق على بالانجليزية «في ظلال شجر الرمان».
عشرات من الاعمال الادبية بلغات عدة رصدت اللحظات المصيرية في هذا الصراع بين حضارتين، ركزت المتحدة على عملين منها هما : «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية رضوى عاشور «1994 - 1995» و«ليون الافريقي» للبناني امين معلوف وصدرت بالفرنسية.
وتلاحظ منى طلبة ان العملين ركزا على «الكتاب العربي» كرمز اخير لمقاومة زوال الحضارة العربية والاسلامية من الاندلس، فثلاثية غرناطة تتبع اسرة ابي جعفر الوراق عبر ثلاثة اجيال، وكيف حاول هذا الشيخ العجوز ان يحافظ على الكتاب العربي كرمز للهوية العربية، وخاصة صراعا انسانيا ومعرفيا الى ان صدر قرار القشتاليين بحرق جميع الكتب العربية في تلك اللحظة يموت الجد ابو جعفر الوراق كمدا وحزنا.
وفي «ليون الافريقي» عبر اربعة اجزاء لم تكن البطولة جماعية لنضال اسرة، وانما نحن امام نموذج فردي مستلهم من شخصية العالم الجغرافي «حسن الوزان» الذي كتب «وصف افريقيا» في البلاط البابوي بعد اختطافه صبيا وتسميته باسم «ليون» لكنه نجح في النهاية في الفرار الى تونس.من خلال هذين النموذجين للمقاومة تتساءل منى طلبة: اذا كان التاريخ القديم ارتبط بالشعر والملاحم والأساطير، فهل يعني هذا ان الخيال كان حليف التاريخ؟! ام كان نصيب الاساطير والسير والملاحم من الحقائق صفرا؟ هل يمكن ان نحدد الخطوط الفاصلة بين التاريخ والخيال؟ هل تخلى التاريخ الحديث عن الاسئلة؟ اسئلة كثيرة اقل ما توصف به ان المؤرخ الحديث لم يفلت بعد من قرابة الخيال وعلم الادب.
وتنتقل الكلمة للدكتورة ليلى عنان التي ركزت في كلمتها على تحليل مصطلحين رائجين في الخطاب التاريخي العربي هما مصطلح «الفرنجة» ومصطلح «الصليبيين».. فتحكي بداية عن المسلسل البريطاني عن الحروب الصليبية ووصف المعلق لها قائلا: «زحف على ارض فلسطين جيش من اكلة لحوم البشر.. وكذا سرد امين معلوف في كتابه الشهير «الحروب الصليبية كما يراها الغرب» كل الفظائع التي يرويها المسلسل اما عن شهود عيان او اساتذة تاريخ ثقاة.
تؤكد ليلى عنان من خلال هذه الشواهد ان الحروب التي عرفت باسم «الحروب الصليبية» حيث هاجمت جيوش اوروبا المشرق الاسلامي بحجة تحرير قبر المسيح لم يكن لها علاقة بالدين بدليل انها ارتكبت افظع الجرائم ولم تفرق في ذلك بين يهودي او مسلم او اتباع الكنيسة الشرقية، فهي كانت مشروعا، استعماريا تدعمه الكنيسة البابوية التي تعد آنذاك قوة عظمى.وعندما عادت الحملة الاستعمارية الاوروبية على المشرق الاسلامي في نهاية القرن الثامن عشر قرن فلاسفة التنوير والالحاد نجد ان هذه الحملات خلت تماما من الاشارة الى اية كلمة دينية.
فمشروع غزو مصر الذي كتبه «تاليران» و«بونابرت» على سبيل المثال لم يحتو على اية كلمة دينية، لان عصر التنوير الاوروبي كان يرفض كل الاديان، ومع ذلك كان ضباط الحملة يجدون فيها الفرصة للانتقام للهزيمة التي مني بها لويس التاسع منذ خمسة قرون في المنصورة!!
وكانوا يصرون على وصف المصريين ب«المسلمين» بعدها اخذت الارساليات التبشيرية تنتشر في المشرق الاسلامي وتتخذ من العلم سلاحا بعد هزيمة السيف.
تخلص ليلى عنان من ذلك الى ان الغرب في عدائه الرهيب للمشرق الاسلامي لم يتوان عن القيام بالعديد من الهجمات الاستعمارية، اشهرها ما عرف باسم «الحروب الصليبية» رغم ان كثيرا من المؤرخين الفرنجة وتكررت الهجمة الضارية التي اسقطت المشرق الاسلامي في يد الاوروبيين مع مجيء القرن التاسع عشر، ولانها بقيادة العلمانية الغربية فانها لم ترتد عباءة الدين ولم تتحدث باسم الدين، ولكنها تحدثت عن نشر الحضارة وكأنها حرب انسانية ترتدي عباءة الرجل الابيض المستنير.
والحقيقة - كما تقول ليلى عنان - ان الهجمتين استعماريتين ولا علاقة لهما بالدين من بعيد او قريب، فهي «حرب فرنجة» في البداية والنهاية، ولهذا عندما اقامت فرنسا معرضا للمستعمرات شيد تمثالا كبيرا عاما 1921 للملك الصليبي القديس لويس التاسع.
فالغرب دائما - رغم وجود الكثير من المسيحيين الشرقيين في العالم العربي - يخاطبنا كمسلمين فقط، حتى يحق له قتل هؤلاء المسلمين في حرب سامية، تارة باسم المسيح وتارة اخرى باسم الحضارة والمدنية.. فهل نعود نحن العرب الى فهم أكثر للواقع؟
بهذا الاستفهام الموجع دون تصفيق حاد لكلمة ليلى عنان التي تكشف الكثير من أوراق الزيف والتضليل الغربي، وبعدها يصل الحديث الى الدكتور رفعت عبدالعزيز الذي ركز على صورة الآخر في الموروث الشعبي العربي، وكيف كان الناس البسطاء فيما يحكونه من حكايات وما يرددونه من ألغاز ونكات وأمثال وأغان كيف كانوا واعين لعدوهم الاجنبي.
وفي العادة فان الاشكال التعبيرية الشعبية تتسم بحسن التشبيه ووجازة اللفظ وجودة الكناية واصابة المعنى، وهذه السمات جميعا كا يرى الدكتور رفعت موجودة على سبيل المثال في العديد من الامثلة الشعبية التي تكشف عن نظرة البسطاء الى اليهودي والى الاجنبي بصفة عامة، ومنها «يا غريب كن اريب» و«حداية من الجبل تطرد اصحاب الوطن».و«الغريب غريب لا ينفع في ضيقه ولا في يوم عصيب» «اضرب الغريب على فؤاده لو كان فيه الخير لكان عاش في بلاده»، «اللي ماهو على دينك ما يعينك»، «عدوك عدو دينك»، «ان عدا عليك ثعبان فوّته وان عدا عليك يهودي موّته»، «حطوا اليهودي والحية في كيس.. خرجت الحية تستغيث».بالطبع هذه الامثال لا تنطلق من عداوة عمياء لكل ماهو اجنبي او على غير الدين والملة وانما هي نتاج تراكمات وخبرات طويلة وتصدر في المواقف الملائمة عن ادراك واع للشرور التي تنتج عن الاجنبي وعداء الآخر.

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [خدمة الإنترنت] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved