تزخر المكتبات بالكتب التربوية، وتستقطب الصحف والقنوات التلفزيونية الكفاءات لمناقشة ما يخص التربية والمناداة الدائمة باتباع الطرق السليمة في تربية الأطفال. كما أن التسجيلات الإسلامية الحديثة أصبحت تنتج أشرطة متسلسلة تناقش الهم التربوي. وفي هذا اشتراك محلي وعالمي في الشعور بالمسؤولية تجاه النشء.
استشعارا من الجميع بأهمية هذا الموضوع والتتنبيه الدائم عليه. وأن شبابنا الآن هم نتاج تربوي في وقت مضى، وكما تضامنت الشعوب المتحضرة بالقضاء على أقسى الأمراض الوبائية والمحجرية فإنها تشترك الآن في النظرة الموضوعية للتربية كاستراتيجية مستقبلية، ولأننا جزء من هذا العالم، ونحن أولى بالاهتمام بالشأن التربوي لاسيما أن ديننا الإسلامي في أكثر من موضع في القرآن الكريم عن تربية الطفل منذ الحمل ومروراً بالولادة والإرضاع وصولاً إلى مرحلة الشباب والمراهقة وكيفية التربية والتهذيب كما في آيات الاستئذان، وكذلك أوضحت الأحاديث الشريفة المفصلة لكل شيء حتى الستر في الصلاة للفتاة الصغيرة والمرأة الكبيرة على حد سواء.
والحقيقة أن الوالدين في عصرنا هذا يواجهان تيارات عنيفةً وحروباً شرسةً وهما في طريقهما لتربية أولادهما التربية الصحيحة لاسيما أن المجتمع بفئاته واتجاهاته ومؤسساته يشتركون في التربية وأحياناً تكون باتجاه سلبي مما يؤدي إلى عجز الوالدين عن التصرف إزاء بعض السلوكيات التي تصدر من أولادهم، بسبب اختلاف نظرة الأجيال. والنتيجة أن المجتمع يخرج أحياناً شباباً يفتقدون إلى التهذيب رغم جهود والديهم ومعلميهم وكل من يهمه أمرهم!
وما يحز في النفس أن بعض الشباب بجنسيه يفتقد وجود المرشد الموجه سواء بغياب أحد الوالدين أو كليهما بجسديهما أو بضعف دورهما المناط بهما، فيوكل الأمر إلى أشخاصٍ قد تغيب فيهم الكفاءة لجهلٍ أو لعدمٍ الشعورٍ بالمسؤولية فينشأ الطفل نشأة غير سويةٍ وتتفجر طاقاته نحو السلوك السيء، ويكون إيقاع العقوبة عليه من المجتمع قاسياً!
ولأن التربية كل لا يتجزأ حتى لو تعددت مؤسسات المجتمع، فحين تنظر لأولئك الأطفال الذين نشأوا في دور الحضانة ودور التربية الاجتماعية تجد أن طابع العنف يكاد يكون سائداً بينهم، كما أن أبسط الأمور التربوية وتحمل المسؤولية لا تبدو ظاهرة، على الرغم من أن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وهي المثقلة بالأعباء تبذل جهوداً إنسانية رائعة في هذا المجال إلا أنه ينقص الكادر الوظيفي لديهم التدريب الكافي للقيام بدور الوالدين المربيين وليس الموظفين، وإن كان هذا الأمر لا يعمم على الجميع ولكنه يفترض وجوده أساساً عند العمل مع هذه الفئة التي فقدت والديها بوفاة أو غيرها منذ استقبال الحياة لهم، والحياة ليست مأكلاً ومشرباً حسناً أو رفاهية، في العيش، بل الحياة تربية يشيب لها شعر المربي، ولسنا في حاجةٍ إلى رد عنيف من قسم العلاقات العامة بالوزارة يفند أقوالنا ويطلب زيارتنا لهذه الدور التي تحتضن أولادنا، بيد أننا بحاجةٍ إلى تفعيل التدريب المستمر والكفاءة عند اختيار من يقوم على التريبة، ويمكن اختيار موظفين وموظفات من الوزارة ممن مضى على انخراطهم في العمل وقت طويل فازدادوا حنكة وخبرة بحيث يمكن أن يكونوا قدوة حسنة لأبنائهم ولا تكفي الشفقة فحسب لأنها قد ترافقك حين تكون بينهم وتغادر كما تغادرك معاول الألم بمرور الوقت بالألفة والاعتياد!
ولأن تلك الفئة هي كبد الوطن ونبضه فلا بد إذاً من اختيار القدوة من الصالحين والصالحات المستشعرين عظم الأمانة، واستبعاد كل من لا يحمل الحس الشرعي لا سيما أن الوازع الديني وغرسه في نفوس النشء بأسلوب تربوي رائع هو أساس التربية، فهو حين يكون متأصلاً في النفوس يكبح جماح الشرور ويجعل المرء خائفاً من ذنبه راجياً عفو ربه فلا يحقد على من ظلمه ولا يقاوم من يعكف على تربيته ولا يسعى للتخريب والعنف انتقاماً ممن تسبب في وضعه بل راضياً بقضاء الله وقدره، صابراً محتسباً، مستغفراً لوالديه آناء الليل وأطراف النهار.
ولعلك تجد أن بوادر صلاح الأبناء طاعتهم لوالديهم واحترامهم لمعلميهم، والاعتياد على الصبر، وأن الدنيا ليست مقر، فيعيشون بالكفاف، ومن يكون هذا مبدأه فلن يبدر منه تصرفات تؤذي من حوله.
ولابد أن ينجح القائمون على تربية تلك الفئة بتبصيرهم بحفظ حقوق والديهم الغائبين، لأننا ننتظر منهم المدرس المربي والطبيب المداوي والمهندس المبدع، وكلهم يمثل المواطن الصالح. ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا تأصَّلت في الأبناء مشاعر المحبة نحو المجتمع وحمل همومه والعيش بارتباط وثيقٍ مع مواطنيهم فهم أبناء الوطن، ولابد أن يكونوا منتجين بعد أن يتم توجيههم ومنحهم الحب والاحترام ومشاركتنا أوجه الحياة بكرامة بعد أن يتم تأهيلهم اجتماعياً ونفسياً للتعايش الصحيح مع المجتمع لا رواسب وغصات وانكسار، ولن يتم ذلك إلا إذا اعتبرناهم أكبادنا وقلوبنا التي تتدحرج على الأرض وبحاجةٍ إلى احتواء واحتضان ومسؤولية جماعية تجاه تربيتهم وتوجيههم ومن يرى في نفسه الكفاءة لهذا الدور النبيل فليتقدم أباً أو أماً.
وعلى القائمين بشؤون أبنائنا في دور التربية الاجتماعية وغيرها فتح المجال لكل من يتقدم موظفاً رسمياً وأباً متطوعا في آن واحد وعليهم منح الثقة لهؤلاء وتشجيعهم على إخراج هذه الفئة الغالية من دهاليز الدور إلى فضاء الوطن والنور وتبصيرهم بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات وطنية وأسرية وذلك فيما يخص العمل، وما يتعلق بأمور الزواج وتكوين الأسرة. ومعرفة كيفية التصرف وفقاً لتوجيهات الشريعة الإسلامية والعرف الاجتماعي، وتنمية المهارات العامة التي تخدم مصالحهم. وعلى الآباء المتطوعين تجاه أولئك الأبناء واجبات أدبية بأن يتضرعوا لخالقهم ومربيهم الأكبر أن يتولاهم برحمته ويسبغ عليهم عافيته ويلطف بحالهم ويكون المعين لهم حيث لا معين إلا هو.
فهل نكون مع أولئك الآباء وتلك الأمهات ونشركهم حين نلح بالدعاء لأبنائنا.
فتلك هي المسؤولية الأدبية الجماعية!!
|