* لندن - خدمة الجزيرة الصحفية:
كان الاجتماع الذي عقده المجلس الوزاري لحلف الناتو في آيسلندة في الأسبوع الماضي بمثابة دراسة مقارنة قد تنذر بالسوء لمستقبل علاقات أوروبا بالولايات المتحدة الأمريكية.
فقد بادر كولين باول وزير خارجية الولايات المتحدة إلى الترحيب بروسيا لتلعب دورا جديدا يندمج جزئيا في إطار الناتو.
وللمرة الأولى سوف يسمح تحالف بقيادة الولايات المتحدة لموسكو برأي على قدم المساواة في كثير من عمليات صنع القرار والمهام المستقبلية الخاصة بها.وقد وصف هذه الاتفاقية وزير الخارجية البريطاني جاك سترو بأنها آخر طقوس الحرب الباردة.
ومن ناحية ثانية قضى باول شطرا مهما من وقته في ريكيافيك وهو يشدد على استياء إدارة بوش من مستويات نفقات الدفاع الأوروبية.
وهذه شكوى قديمة ولكنها أصبحت أكثر إلحاحا منذ الحادي عشر من سبتمبر وما تلاه من زيادة مقدارها 60 بليون دولار في موازنات البنتاغون السنوية.ويعلم الأعضاء الأوروبيون في الناتو جيدا نقاط القصور التكنولوجية والعسكرية إذا ما قورنت بالولايات المتحدة.
إنهم يعرفون أن الفجوة في الإمكانات تتسع ولكنهم يعزون ذلك إلى الفقر وعجز الموازنات ولا يقترح أحد الآن أي زيادات مهمة في الإنفاق العسكري.
وما المشاحنات حول المشاركة في الأعباء داخل الناتو سوى واحد من عدد من نقاط التوتر العديدة في العلاقة الراهنة بين الولايات المتحدة وأوروبا، ومنذ وقت طويل والقادة الأوروبيون يعرضون قائمة طويلة من الشكاوى الخاصة بهم.
وتتضمن هذه القائمة رفض الولايات المتحدة الموافقة على اتفاق كيوتو حول التغيرالمناخي والخلافات حول التعامل مع الأسلحة البيولوجية والكيماوية ومعارضة الولايات المتحدة لمحكمة جرائم الحرب الدولية والممارسات التجارية الأمريكية غير العادلة مثل رسوم الفولاذ وقضايا خاصة مثل التزام الولايات المتحدة بعقوبة الإعدام.
وتتخذ أوروبا عموما موقفا نقديا حادا من الدعم الذي يوليه الرئيس بوش لإسرائيل بقيادة شارون وهي لا تريد شن حرب جديدة على العراق وكثير من العواصم الأوروبية ترى أن ما يسمى عقيدة بوش هي التي تحكم الحرب على الإرهاب ومحاولات عزل محور الشر والدول المارقة من خلال سياسة تمزج بين توجيه الإنذارات والتسلية وبدورها فإن حكومة الولايات المتحدة تبدي سخطا واضحا على تخلي أوروبا عن خططها الدفاعية وفشلها في الإجماع على موقف موحد في قضايا السياسة الخارجية المهمة ومعارضتها (على الرغم من عدم الإجماع) لخطط بوش للدفاع الوطني الصاروخي ولا تبدو إدارة بوش سعيدة كثيرا بمستوى الالتزام الأوروبي بالحرب على الإرهاب (باستثناء بريطانيا) وبإصرارها على المحافظة على علاقاتها مع بلدان مثل ليبيا وإيران التي لا تحظى بثقة أمريكا، والدخول في مشاريع معها.
وقد برز عامل جديد زاد الأمر سوءا في الأشهر الأخيرة حين فسر الدعم الأوروبي للفلسطينيين وفي صورة متزايدة في الولايات المتحدة على أنه نتيجة لحالة من العداء للسامية المتوطن والراسخ الجذور في أوروبا ويزيد الطين بلة أن كثيرا من اليهود في أوروبا يرون الأمر على هذا النحو.
وأتت الانتخابات الفرنسية التي قدمت فيها الجبهة الوطنية الفرنسية بقيادة جان ماري لوبن أداء مذهلا لتعزز الانطباع الأوروبي بأن الأوروبيين بحديثهم الساذج هم أساسا حفنة من العنصريين والمعادين للسامية والمصابين برهاب الأجانب والطفيليين غير الجديرين بالثقة.
وقد جاء الانقلاب الأخير في السياسة الهولندية الذي أحدثه مقتل الزعيم اليميني الشعبوي بيم فورتيون ليتخذ دليلا على هذه النظرة.
لقد جابت المقالات الإنشائية الغاضبة شواطىء الأطلسي ذهابا وإيابا لفترة من الوقت وبدلا من تشجيع التفهم فإن مباراة الصراخ هذه ساعدت في مزيد من الاستقطاب في الرأي.
وفي خضم هذه الحالة اضطر حتى توني بلير وهو أبرز حلفاء بوش الأوروبيين إلى إيجاد مسافة بين لندن وواشنطن فقد رفض بلير تبني تعبير محور الشر مثلا وخفف من احتمال (وحكمة) الهجوم على العراق.
وبالطبع فإن كثيرا من هذه الأمور يبالغ فيها أو أنها تبسط فجميع العلاقات تمر بعمليات ترقيع وليست العلاقات الأوروبية الأمريكية استثناء فبلير وسترو لم يوفرا أي فرصة للتأكيد على الأهمية العظمى للمحافظة على علاقات وثيقة بين البلدين. وفي أوقات هدوئهم يقول المسؤولون الأمريكيون الشيء نفسه وهكذا فإن اجتماع الناتو في آيسلندا قدم للسياسيين الأوروبيين إن شاؤوا أن ينظروا لمحة عن النموذج الاستراتيجي الجديد الذي لا بد أنه أزعجهم.وبعكس كل التوقعات فإن إدارة بوش وحكومة الرئيس فلاديمير بوتين في روسيا تجدان أن بينهما الكثير الكثير مما هو مشترك.
لقد اتفق الطرفان على محاربة الإرهاب سواء كان في نيويورك أو في غروزني بجورجيا أو في موسكو ولنتذكر أن بوتين كان أول زعيم خارجي هاتف الرئيس بوش عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.لقد اتفق الاثنان على الحد من استخدام الأسلحة (على الرغم من الاختلافات فيما يتعلق بمبيعات الأسلحة لإيران) كما أنهما وقعا معاهدة لخفض عدد الرؤوس النووية بنسبة الثلثين لكل منهما.
واتفقا على مزيد من انفتاح الأسواق فروسيا تريد أن تنضم إلى منظمة التجارة العالمية ويزداد اهتمام الولايات المتحدة في النفط الروسي بديلا للاعتماد على الشرق الأوسط. واتفقا على تغيير النظام العراقي ووافقت روسيا على عقوبات مخففة وعلى المدى الطويل فإنها تريد حصة من المشاريع (واسترداد الديون المتراكمة من الحقبة السوفياتية) في مرحلة ما بعد صدام في العراق.
كما اتفقا ولو من دون إعلان على التهديد الاستراتيجي المحتمل الذي تمثله الصين، كان بوتين يتودد إلى بكين قبل الحادي عشر من سبتمبر ولكن لا شك انه اليوم في المكان وضع آماله الرئيسية للمستقبل عبر علاقات عمل براغماتية ومربحة مع الولايات المتحدة.
وتوج كل ذلك أن الولايات المتحدة وروسيا على وشك الاتفاق على نظام دفاع وطني صاروخي.
إن بوتين لا يشعر بود تجاه خطط حرب النجوم ولكنه يعرف أنه لا يستطيع أن يوقفها لذا فإنه في المقابل ينوي أن يستفيد منها إلى الحد الأقصى.
ومن المتوقع إبرام اتفاقية حول نظام الدفاع الوطني الصاروخي خلال القمة الروسية الأمريكية بين بوش وبوتين.
بالنظر العميق إلى كل هذا فإن القادة الأوربيين والاتحاد الأوربي ربما يحظون بالسماح لتساؤلهم عن توجه ذلك كله فهم قد تعودوا منذ العام 1945 على أن يكونوا إلى جانب واشنطن ضد الروس.
هل هناك تحول استراتيجي وهل سيتمخض عن اصطفاف تقف فيه الولايات المتحدة وروسيا ضد أوروبا؟ أو أن الأمر سيكون أسوأ من ذلك بان تتجاهل واشنطن وموسكو أوروبا وتفعلان ما ترغبان فيه بغض النظر عن أي شيء؟ التجربة والتاريخ يقولان لا ولكن إذا استمرت المشاجرات عبر الأطلسي على المستوى نفسه فليس من المستبعد مطلقا أن تتحول المشاحنات الحالية إلى صدع دائم مع الولايات المتحدة يستغله بوتين الهادىء.لن يصدق الألمان ذلك حتى يحدث وربما لم يلاحظه الإيطاليون وقد لا يكترث له الفرنسيون، ولكن من الغريب أن توني بلير مستمر في العمل مع المعسكرين.
* الغارديان اللندنية |