* القاهرة - شريف صالح :
11 سبتمبر.. مذابح جنين.. حصار رام الله.. والآن غزة.. مازالت كرة النار مشتعلة، كرة مجنونة ولا أحد يدري أين يقذفها شارون غداً؟! ترى، من يملك قرار إيقافها، الساسة أم المفكرون أصحاب الضمير، الأمم المتحدة أم أمريكا؟ رغم أسابيع المرارة الماضية فإن أصوات الضمير تعالت.. مبدعون ومثقفون كبار وقفوا ضد الآلة العسكرية لشارون وقالوا لها: يجب أن تتوقفي فوراً.. وبعضهم صنع حاجزاً بشرياً بجسده أمام مقر عرفات.. الجميع يؤكد لشارون الهائج: كف عن العبث بحرمة الدم الإنساني.. كلمات وبيانات ومواقف مشهودة ومؤثرة تردد صداها في الآونة الأخيرة وتستحق من الإعلام العربي كل التقدير والمؤازرة.
لعل أهم تلك المواقف بيان البرلمان الدولي للكتاب الذي صدر بتوقيع أكثر من خمسمائة مثقف من أنحاء العالم، وبعضهم من الحاصلين على جائزة نوبل، على سبيل المثال ماركيز وساراماجو وسينكا وتوني موريسون وراسل بانكس (رئيس اتحاد البرلمان الدولي للكتاب) والمخرج العالمي فرنسيس كابولا وغيرهم. من ناحية أخرى أرسل البرلمان وفداً إلى الأراضي المحتلة للتعبير عمليا عن غضبتهم للحق.
وفي هولندا أدان عدد من المثقفين الهولنديين حصول «شيمون بيريز» على جائزة نوبل للسلام عام 1994 وأيد هؤلاء المثقفون لجنة تحكيم الجائزة في رغبتها في سحب الجائزة من بيريز، وقال الأديب والمستشرق الهولندي ريتشارد فان: إن بيريز لم يعمل من أجل القيم الإنسانية والمبادئ والأفكار التي حصل من أجلها على الجائزة، وإنه من العار على مؤسسة نوبل ان يظل في قائمة الأسماء التي حصلت على الجائزة.
وبالفعل اجتمعت لجنة جائزة نوبل للسلام للمرة الأولى في تاريخها وأصدرت بيانا تعلن فيه أنها تأسف لمنح شيمون بيريز الجائزة مع ياسر عرفات 1994 وأهم ما في البيان أنهم لم يندموا على منح الجائزة لعرفات مما يعني أنهم يعتبرونه رجل سلام يستحق الجائزة وقال عضو اللجنة «كفانمو» ان اللجنة كانت تتمنى لو أنها تستطيع سحب الجائزة من بيريز.
من المواقف الجماعية الأخرى موقف المثقفين الفرنسيين «اليهود» الذين تبرأوا من أفعال شارون الوحشية ووجهوا بيانا إنسانيا شديد اللهجة لشارون وبوش ولبعض المؤسسات الدولية، ومما جاء فيه: إن آرييل شارون بمساندة من بوش مصمم في الواقع على تحطيم المقاومة الفلسطينية وتدمير مؤسساتها وتصفية قادتها وإرغام الشعب الفلسطيني على الشتات من جديد، بينما يكتفي القادة الأوروبيون في أحسن الأحوال بكلمات طيبة على حين تقوم قوات شارون بالهزء والسخرية من قرارات الأمم المتحدة.
بجانب هذه المواقف الجماعية كانت هناك أصوات فردية قوية ومؤثرة، على سبيل المثال تيري لارسن مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط الذي أعلن موقفه بجرأة قائلاً: إن ماحدث في جنين كارثة إنسانية رهيبة. وكان مثل هذا القول كافيا لأن يتعرض للإرهاب والتشهير فقيل إنه حصل على مائة ألف دولار من مركز بيريز للسلام، وأكد وزير دفاع اسرائيل ضمن جوقة التشهير بالرجل ان لارسن حاول وقف عمليات «إصلاح» الدمار في جنين بحجة انتظار وصول لجنة تقصي الحقائق.
ما أشبه الليلة بالبارحة فموقف لارسن وحملة التشهير به تذكر بما حدث قبل خمسين عاما أو يزيد مع الكونت برنادوت الذي عبر عن صوت الضمير وشهادة الحق فاغتالته العصابات الصهيونية رغم انه مبعوث دولي! ترى هل يحدث هذا مع لارسن أيضاً؟!
من ناحية أخرى أصدر الكاتب الكبير جارثيا ماركيز - الحاصل على نوبل 1982- بيانا أكد فيه تقديره للكفاح البطولي للشعب الفلسطيني الذي يواجه حرب إبادة منظمة، كما شن هجوماً على مناحيم بيجن وتلامذته قائلاً: إن من عجائب الدنيا أن يحصل شخص مثل بيجن على جائزة نوبل تكريما لسياسته الإجرامية التي تطورت في السنوات اللاحقة على أيدي مجموعة من أنجب تلاميذ المدرسة الصهيونية لكن الذي تفوق على الجميع هو التلميذ النجيب شارون.
وعن رأيه في تخوف بعض كبار الكتّاب من اتهامهم بمعاداة السامية حتى لايتعرضوا للآلة الإعلامية الصهيونية الشرسة، أجاب ماركيز: إن الذين يريدون الاحتجاج لكنهم يخافون اتهامهم بمعاداة السامية إنما يبيعون أرواحهم في مواجهة ابتزاز رخيص!
نفس الموقف الشجاع أعلنه الكاتب البرتغالي الأشهرجوزيه ساراماجو - نوبل 1998 - فقد ذهب ضمن وفد الكتاب إلى الأرض المحتلة ووصف ما شاهده بأنه حرب إبادة ومحرقة نازية «أوشفيتز» وعندما حاولت صحافية إسرائيلية ان تبتزه قائلة: ولكن لاتوجد هنا أفران غاز رد ساراماجو إن ما أقوله يتعلق بالفعل وليس بالاسم، فما يحدث هنا يصدر عن روح مماثلة للنازية، وإذا كانت كلمة «أوشفيتز» تغضب الإسرائيليين فعليهم ان يختاروا كلمة أخرى للتعبير عما أراه هنا.
وبمجرد ان تردد صدى كلماته الجريئة هاتفته إحدى الصحف الإسبانية كأنها تتثبت من أقواله قبل ان تلصق به تهمة معاداة السامية الجاهزة، فأكد لها ساراماجو انه متمسك بما قاله وأضاف: إن إسرائيل لاترى موقفا ثالثا لأحد، إما الانضمام إلى جوقة المؤيدين للسامية طبقا لتعريفها، أو احتلال خانة المعادي للسامية، ذلك السلاح الكاذب الذي يوجهونه إلى مناهضيهم.
وفي بريطانيا أرسلت الكاتبة الانجليزية المصرية أهداف سويف رسالة طويلة ومؤثرة إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ونشرتها - صحيفة الجارديان ومما جاء فيها: الآن يا «سيد بلير» لقد حان وقت الفعل الآن.. فعندما تم انتخابك، عول الكثيرون على البعد الأخلاقي في سياستك الخارجية. والآن أين أخلاقيات سياستك الخارجية يا «سيد بلير»؟ النساء والأطفال محاصرون في بيوتهم، والرجال تعصب عيونهم ويطلق الرصاص عليهم في الشوارع. شعب مدني بأكمله يتعرض للإرهاب باسم مكافحة الإرهاب ألن تفعل شيئا تجاه ذلك؟.. قل لصديقك في البيت الأبيض إن إسرائيل بحاجة إلى حماية القانون الدولي قل له إن الخلاف العربي مع أمريكا يرجع إلى تحيزها لاسرائيل، ولأنها ستشن حربا على العراق لخرق القانون الدولي، وفي نفس الوقت تقوم بتمويل المجزرة الإسرائيلية للفلسطينيين من أموال الضرائب الأمريكية. بجانب رسالة أهداف سويف أعلن الشاعر الإنجليزي توم بولين في محاضرة له حملة عنيفة على إسرائيل وقال إن «المستوطنين» من يهود بروكلسن يجب ان يرموا بالرصاص. وعلى الفور هبت حملة صحفية شديدة لابتزاز الشاعر واتهامه بالعداء للسامية، ومقابل محاضرة واحدة له نشرت ألف مقالة تهاجمه! كل ما سبق أدلة حية وشجاعة على أن آلة الإعلام الصهيوني لن تستطيع ان تخدع كل الناس.. كل الوقت!!
|