عند زاوية النافذة بدأ يقف.. يغرِّد في الصَّباح مع أول انتفاضة لجناح الفجر..
لا أدري كيف تخيَّر هذا الموقع الذي يطلُّ على مكتبي الصغير، وبحجم بُعد إحساس هذا العصفور بالأمان تتسع كلُّ خطوة فيه.. وتأكدت مع العصفور من أنَّ لا حيّزَ للآمال، ولا ضْيق مع الاطمئنان!!
غير أنَّ العصفور بدأ يحمل في أوبته بين فترة وأخرى خلال ساعات اليوم الصَّحو شيئا من بقايا الشَّجر.. يجمعها في نظام، ويلملمها في تناسق يندر له مثيل، حتى إنَّني تعلَّمت منه كيف أنسّق بين أشلاء تتناثر لا تآلف بينها من ورق، وأقلام، وماسكات الورق، و.. كلِّ ما يعهده الكاتبون من منثورات حولهم.. قد لا يحلو لأحدنا أن ينغمس في الكتابة دون صهيل فوضانا بكلِّ هذه الأشياء الصَّغيرة من حولنا..
وكبر حجم هذا الشكل الهندسي البديع الذي صنعه عصفوري، وكان من حقي أن أسنده إليَّ فهو عصفوري بحجة الجيرة، والاحتلال منه لحيِّز من نافذتي، و... مشاركتي تغريده في الصَّباح، وسماعه لحديثي معه في المساء وإن كنت أحرص على ألاَّ أقضَّ مضجعه بصوت مرتفع، أو مفاجىء..
وتذكَّرت انطلاقة العصفور وحريته، وتساءلت معه كيف جاء إلى هنا، ومن الذي منحه الإذن كي يحتلَّ من نافذتي هذا الموقع دون أن يكون هناك أي اتّفاق بيننا؟..
وتخيَّلت لو أنَّ إنساناً احتلَّ هذا المكان هل كنت سأوافق، دون تساؤل، ودون حذر من كلِّ ما يتعلَّق بأمر بقائه في هذا المكان الذي يطلُّ على «حركتي»، و«سكنتي»، وخصوصية لحظات تفكيري، وإفضاء بوحي على الورق ومع كتبي وأوراقي؟.. ثمَّ هل لإنسان أن يفعل ما فعله العصفور دون أن يقدِّم إبرام عقد إيجار له ما يقابله، وهل يمكن أن يبني الإنسان بيته كما بنى العصفور بيته دون أن يكون هناك أطراف من بائع، وصاحب مكان، وحامل أثاث، و..و..
ثمَّ عندما يبني الإنسان بيته هل يعتمد في ذلك على نفسه، ويوفِّر له أزهد المكوَّنات، ويصمِّمه في حدود الاحتياج؟..
وأدركت الفارق بين الإنسان والعصفور.
عرفت السَّبيل إلى حضارة الطبيعة المنطلقة من حريتها.. المنظَّمة.. لا سلب ولا اعتداء.. لا ظلم ولا غش، لا تورية ولا تستّر.. وأرض اللُّه تعالى واسعة ليسيح فيها كلُّ النَّاس والخلق.. حتى العصفور.. و...
زاوية النَّافذة أرض براح لا من يحتلَّها أو يفيد منها؛ بينما هي المأوى الآمن للعصفور في ضوء أنَّه تأكَّد بعد فترة من الزَّمن أنَّ لا أحد سوف يؤذيه، وأنَّه كلَّما ذهب وعاد وجد البذور والماء في انتظاره.. فتخيَّر جيرة الاطمئنان في حضارية التَّعامل مع نفسه وحاجته ومع جارته!!.. أمَّا أنا فلقد وجدت فيه ما لم أجده في الإنسان.. و.. كلُّنا يبحث عن الإنسان المتحضِّر فوق همجيته.. فمتى نجده؟! وأين نجده؟!.
هل في زوايا النَّوافذ؟
وأيُّ نوافذ؟ أهي التي يحتلُّها كي يقتحم حدود الآخر، وليس كما يفعل العصفور؟ أم كي يروِّح عن نفسه لا كما يأوي العصفور؟...
أمَّا عصفوري، فلقد منحته حقَّ السَّكن بما منحني من فسحة التَّأمل...
|