Saturday 25th May,200210831العددالسبت 13 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

ابن خلدون وعلم العمران ابن خلدون وعلم العمران

 د. وليد احمد السيد - معماري/جامعة لندن
يعد العلامة العربي المسلم ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع العربي وواحدا ممن كان لهم اثر بالغ في الفكر التحليلي التأريخي العربي، ولعل ابرز تأثيراته الفكرية تبدو بجلاء لدى مفكري المغرب العربي ودول شمال افريقيا ولا غرو، إذ شهدت تلك المنطقة الجغرافية من العالم العربي مولده «تونس» وسفره للقاهرة وعمله بها قاضيا ردحاً من الزمن وتعد «المقدمة»، ابرز أعماله الفكرية التي تناولت أحوال العرب ومعاشهم، كما تضع اسسا نظرية في معايير نشوء الحضارات وازدهارها ومن ثم عوامل اندثارها. ولعل ابن خلدون في مقدمته كان يضع احجار البناء لنظريته الاجتماعية من خلال احوال العرب آنذاك، مما تعد وثيقة تاريخية في آن واحد. ومنذ ذلك الحين ما فتئت المكتبة العربية تزخر بالمؤلفات التي تسعى جاهدة لفك رموز «مقدمة ابن خلدون»، ووضع النقاط على حروفها. هذه الدراسات تراوحت بين المتشككة في امكانية تعميم «النظرية»، على تاريخ العرب الطويل ما قبل وما بعد الإسلام حيث يعمد المفكرون إلى اخراج فترة ظهور الاسلام وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من نطاق النظرية، اذ لا تنطبق عليها معايير نظرية ابن خلدون كونها خاصة الظرف والنشأة والغاية وبين الدراسات ذات الطابع المؤدلج المتخصص ما بين تاريخي وفكري واجتماعي إلى غيرها من الدراسات النظرية، ولئن خلت المكتبة العربية من ابحاث فيما يخص نظرية ابن خلدون فإن ذلك كان في متعلقاتها المباشرة وغير المباشرة في علم العمران واثر «الأسس الاجتماعية»، التي اثارها ابن خلدون في مقدمته على البيئة العمرانية المبنية، فما هي ابرز معالم النظرية الخلدونية فيما يخص علم العمران؟
لعل من ابرز التطبيقات الاكاديمية المعمارية «لنظرية ابن خلدون» وربما الوحيدة والتي اعلم عنها هي اطروحة الباحث المعماري توفيق ابو هنطش بجامعة أم آي تي عام 1990م «دراسة غير منشورة لنيل درجة الماجستير»، وهي دراسة جريئة جادة تسعى لاستقراء «منطقة ما بين القصرين» بالقاهرة المملوكية والتي شهدت احداثا تاريخية أيام المماليك وتحمل اسم احدى روايات الروائي المصري نجيب محفوظ - على ضوء معالم النظرية الخلدونية. وهي بذلك تضع شأنها شأن الدراسات المعمارية الجادة- الدراسات والتخصصات الفكرية الأخرى على مرمى حجر من البحث العلمي فيما يخص شؤون العمارة وتطبيقاتها على البيئة المبنية فلنلق الضوء تاليا على متعلقات المقدمة بما يسمح به المقال على شؤون العمران.
العمران من العمارة والتعمير كما يشير ابن خلدون وهو التساكن والتنازل في مصر «من الأمصار»، لاقتضاء الحاجات لما في طبائع الناس من التعاون على المعاش. وتضع النظرية اسسا مهمة في التمييز بين أهل الحضر والبداوة من جهة، وفيما يخص قيام المدنية والملك من جهة أخرى، وابن خلدون بذلك يعد سابقا بقرون لمنظري الغرب ممن عني بشؤون التخطيط الحضري امثال «رابوبورت»، وفي البحث في اصول وعوامل نشوء الحضارات والمدنية. بل لعل ابن خلدون قد عرَّف «بتشديد الراء»، مفهوم التصميم الحضري الذي نعرفه اليوم والذي يقوم على التمييز بين الحضر وغير الحضر ويعمد ابن خلدون في هذا الاطار إلى تقديم التعريف للمصطلح«العصبية» كأبرز العوامل لنشأة المجموعة الاساسية التي تشكل نواة الدولة والمدنية، وهذه العصبية لا تعني البتة المفهوم السلبي للكلمة «العصبية الجاهلية»، إنما تشير إلى فكرة التآلب المجموعي بناء على المصالح المتداخلة مما يفرز المجموعات المتداخلة ضمن النظام الاجتماعي والتي تشكل بالتالي ما يعرف بالهرم الاجتماعي ذي القاعدة العريضة والقمة المدببة بيد ان ابن خلدون يستطرد في تقديم مفهوم «الحركية»، والآلية المستمرة ضمن النظام الاجتماعي والتي تنعكس مباشرة على البيئة المبنية، فابن خلدون حين يميز بين مجتمعي البدووالحضر على اساس الاختصاص والصناعة، يميز ايضا بين المجتمعات المتجاورة على اساس اختصاص بعض المدنيات ببعض الصنائع دون البعض الآخر مما يوجد لحمة اخرى عدا عن العصبية داخل المجتمع الواحد. وهذه اللحمة المبنية على تبادل الخبرات والمنافع المكتسبة تقابل في مفاهيمنا العمرانية ما نعرف «بالاعراف»، والتي يعزو إليها مفكرو العمارة انتقال الاساليب البنائية من اقليم لآخر.
وبدءا بضرورة الاجتماع، مرورا بتخصص المجتمع ثم قيام الدولة بأنظمتها المختلفة والانشطة الحيوية التي تشكل دعائم وجودها يشير ابن خلدون إلى عوامل اندثارها الخارجية، وهي معلومة تتمثل بالتهديد من «الآخر»، بشتى صوره. والأخرى الداخلية حيث يبين ابن خلدون ان وصول الدولة إلى حالة «الفائض»، والتي تقود إلى الترف والدعة هي ابرز عوامل الاندثار ويبدو ان ما اصاب الحضارة العربية هما العاملان معا تمثلا في التهديد الخارجي على طول فترة التاريخ العربي أو هي «حالة تداعي الأمم علينا كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، اضافة إلى حالة الترف التي اصابت العرب خلال فترات عديدة «الدولة العباسية،الأندلس، وايضا ما تعاني منه الامة حالياً»، وكل ذلك له متعلق وانعكاس مباشر بالعمران والبيئة المبنية، إذ كانت العمارة دوما انعكاساً وتعبيراً مباشرا لحالة الامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ايضا، فظهور انماط معينة من المباني كالتكايا والخانقاه، والربط الصوفية كان انعكاسا لحالة «ترف بالفكر الديني»، وكذلك القصور والصروح بالاندلس وغيرها من حواضر العالم العربي والإسلامي جسدت حالة من الترف العمراني، كما عبّرت العمارة سياسياً من خلال الاربطة على الثغور عن حالة من «الشعور بالترف الحسي» والامتداد التوسعي بمعزل عن نبل الغاية والهدف للتوسع وهكذا تجد نظرية ابن خلدون حيزا فراغيا لها في مجال العمارة بإسقاط مفاهيمها الاجتماعية على البيئة ماضياً وحاضراً، حيث يشير ابن خلدون إلى أن الدولة بالنسبة للعمران هي كالصورة بالنسبة للمادة لا يقوم احدهما بدون الآخر، واختلال احدهما يؤدي إلى اختلال الآخر، وانهيار احدهما يؤدي إلى انهيار الآخر.
ولعل من الجور ان يسعى هذا المقال للاحاطة بما تحفل به نظرية ابن خلدون في مقدمته من مفاهيم اجتماعية متعلقة بعلوم العمران، بل ان جل ما يصبو إليه هو ان يلفت انظار العقول النيِّرة من احفاد ابن خلدون للعكوف على ارثهم الفكري، ويحز بالنفس حقيقة ان ابرز معاهد العلم الغربية تعتمد هذا الارث النفيس اساسا للدراسات والنظريات الحديثة فنرى «أولج غرابار» و «هولود» وغيرهما في معاهد الدراسات الغربية من غير الناطقين بالعربية تعكف على الدراسات العربية من خلال الباحثين العرب لنشر ابحاثهم، كما نرى ان المتخصصين بتراثنا هم من الغرب، فأبرز الكتب والموسوعات هي غربية فيما يخص تراثنا، وما ذاك لأن ارحام نساء العرب قد عقمت عن انجاب عقليات فذة، بل هي حالة انحطاط حضاري وانبهارب الغرب أصابت صنّاع القرار والمقتدرين منا حين هجرنا مراكز البحث العلمي والأدبي، ويرحم الله المأمون الذي ادرك أهمية البحث العلمي في ريادة الأمم فأعلن للباحث المسلم آنذاك وزن الكتاب ذهبا. والحكمة كامنة طوبى لمن استخلصها.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved