Saturday 1st June,200210838العددالسبت 20 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

شيء من شيء من
محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

سقوط بوش الأب في انتخابات الرئاسة الامريكية، كان له تأثير على بوش الابن. فمنذ بداية ولاية الابن وهو يحاول تجنب التمادي في الولوج الى حرائق المشكلة الفلسطينية الاسرائيلية، حتى كاطفائي، خوفاً من ان تحرقه كما احرقت اباً له من قبل، وهو لذلك كان يحاول ان يتعامل معها من بعيد وبحذر شديد، وحينما جاءت احداث 11 سبتمبر، وما آلت اليه من تداعيات، اضطر بوش الى فتح ملفات الشرق الاوسط، ولكن حسب ما يريد الاسرائيليون، وليس حسب ما تقتضيه مصالح امريكا في المنطقة، خشية من ان تؤثر على موقفه الانتخابي فيما بعد، ومصالح حزبه الانتخابية في الكونجرس. الساسة الامريكيون، او كما يسمونهم: النخبة التي تصنع السياسة الامريكية، يقرون عندما يتحدثون خارج اللقاءات الرسمية، ان سياساتهم لا تخضع لمقتضيات المصالح الامريكية في المنطقة بشكل مطلق بقدر ما تخضع لحسابات معقدة تتداخل فيها مصالح دوائر الضغط السياسية في الكونجرس، بحسابات الانتخابات لدى الادارة الامريكية والحزب الحاكم، بمصالح النخب الاقتصادية. ويبررون، ان القرار الامريكي الخارجي له منطلقات ليست المصلحة السياسية الامريكية بالضرورة هي التي توجهه، وان مشكلة العرب تكمن في اصرارهم على التعامل مع امريكا، ليس حسب «ما هو كائن»، او كما هي الوقائع على الارض وانما من منطلق «ما يجب ان يكون».و«ما يجب ان يكون»، او كما يسمونه «التفكير الرغبوي»، هو علة العرب الاساسية، بل علة الذهنية العربية. هذا النمط من التفكير، غير العلمي، يحاول ان يفهم العالم ومن ثم يتعامل معه، من منطلق ما يتمنى، او ما يرغب، او ما يحلم، ان يكون عليه، لا على ماهو قائم على ارض الواقع. يقول الدكتور فؤاد زكريا في كتابه «التفكير العلمي» ولابد للعقل البشري ان يكون قد تجاوز مرحلة الطفولة، التي نصور فيها كل شيء وفقاً لامانينا، الى مرحلة النضج التي تتيح لنا ان نعلو علي الخلط بين الواقع والحلم والامنية. وهذا مستوى لا يصل اليه الانسان الا في مرحلة متأخرة من تطوره». ص 65 من الكتاب.. ولأن العرب امة ادب، وديوانها الشعر، فإن الانسان العربي يتعامل مع حقائق واقعه المحيط به بمنطق الشعر لا برؤية العقل، فهو، كأي شاعر، يهتم بمشاعره الذاتية اكثر مما يهتم بالعالم الخارجي، واذا اتجه الى خارج ذاته، فإنما يتجه الى هذا الخارج من خلال احاسيسه الخاصة، وميوله الشخصية، ومعاييره الاخلاقية، فلا يروي في النتيجة إلا مرآة تعكس انفعالاته وعواطفه ورغابته، لا حقيقة ما هو موجود خارج دائرة هذه الانفعالات.هذا المنطق، او النسق من التفكير، ليس وقفاً على السياسيين العرب وحدهم، وانما تتسع دائرته لتشمل حتى المثقفين والمفكرين، فضلاً عن البسطاء من الناس. فأغلب كتابات هؤلاء ونقاشاتهم ورؤاهم، هي في حقيقة الأمر، وفي الغالب الاعم، نشاطات تهتم باتساق بنائها الداخلي، وبتماسك منطقها المجرد، وبامنيات ورغبات الكاتب الذاتية، او الايديولوجية التي ينتمي اليها، دون ان تهتم بالعالم الخارجي، الذي لا يوجهه المنطق او العدل او الاخلاق، بقدر ما يتناقض معها في اغلب الاوقات. وفي السياسة، فان التاريخ علمنا ان التعامل مع الآخر، كائناً من يكون ، عدواً او صديقاً، لابد وان يكون خليطاً من العقل والتجربة والمصلحة في آن، فالعقل وحده لا يكفي، مثلما ان التجربة وحدها لا تكفي. اما العواطف والاماني والاحلام، فلا محل لها البتة في الموضوع.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved