Saturday 1st June,200210838العددالسبت 20 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

تهافت الأطباء..! تهافت الأطباء..!
عبد العزيز السماري

مسألة درء تعارض العقل مع النقل مواجهة شغلت علماء الأمة منذ القرون الأولى، ولا زالت تراوح في سماء اطروحاتها الثقافية، ولا تزال اجتهادات أبي حامد واستدراك الحفيد ابن رشد، وتأكيد شيخ الإسلام تشكل أطراف المثلث الشهير في كيفية التعامل حين يبدو تعارض بين النقل والعقل أو الحقيقة العلمية..
الوعي الصحي حتماً سيصبح في مأزق في حالة تجدد الخلاف حول تقاطع الحقيقة الشرعية والعلمية، وسيكون المريض الضحية التي تخسر صحياً واقتصادياً في ظل تبعات تفشي ظاهرة الخصخصة في صراع جدوى التداوي بالرقية والعقاقير الطبية. وكم تمنيت أن تظل العلاقة بين الطبيب والمريض، وبين الراقي والمريض خارج صراع الربح والخسارة المادي في سوق معاناة المريض المستمرة، لكن أمنياتي المتواضعة عصفت بها رياح العولمة، وفرقتها مشاريع الخصخصة للضروريات الإنسانية.
تناثرت تلك التساؤلات أمام ناظري عندما سنحت لي الفرصة لمتابعة حلقة من حلقات برنامج «دين ودنيا» الذي يقدمه الشيخ الرائع عبدالمحسن البكر كل ظهر خميس، حيث تم عرض ثلاث حالات مرضية عولجت بالرقية: أولهما حالة ارتعاش ليد مصاب، شخصها الراقي كحالة تلبس جن جزئية، والثانية عن شخص مصاب يتصرف بصورة غير طبيعية أو بوصف أقرب لمفاهيم الأطباء كحالة هستيرية، شخصها كذلك حالة تلبس جن كامل، أما الحالة الثالثة فكانت لطبيب أصيب بداء سرطان منتشر، اعتبرت حالته ميؤوس منها طبياً، ليعالج بعدها بالرقية الشرعية، كحالة حسد أو عين أدت إلى السرطان، وتم شفاؤه بإذن الله من دائه الخطير حسب روايته في الحلقة التلفزيونية الشهيرة.
وأمام هذا التقاطع المتجدد بين النقل الصحيح والأطروحات العلمية والطبية المستندة إلى نتاج قرون من التجربة والبحث عن الحقيقة العلمية، وجدت نفسي أقف أمام معاني نصوص صحيحة عن الرقية، سأكتفي بسردها، لعل طلبة العلم الشرعي والبرهاني، يطلعون على مقدماتها ويدرسون تفاصيلها، ليخرجوا بمنهجية يتم التعامل من خلالها مع هذه الضبابية والاختلاف أو التحدي غير المبرر تأججه..
في صحيح مسلم عن عوف بن مالك قال: «كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك».
وفي صحيح مسلم وابن ماجة، وعن أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي ورد الحديث الصحيح: «لا رقية إلا من عين أو حمة»، والحمة سم العقرب..
ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة، رواه مسلم في صحيحه.
وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله، قلت: أيرقى أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله. وفي «الموطأ» أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقى عائشة: ارقيها بكتاب الله..
وحسب علمي لا يوجد باب عن الرقية من مسّ الجن في كتب الصحاح، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الله سبحانه وتعالى أن يشفي المرأة المصابة بالصرع، ولم يشر إلى مسّ جن كسبب لصرعها المتكرر:
عن ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشَّف، فادع الله لي، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك).
فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشَّف، فادع الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها.
وفي الحديث التالي إشارة صريحة تحمّل الإنسان مسؤولية البحث عن العلم والدواء، ولا عزاء.. لمن جهل سنن الله الطبيعية:
عن عبدالله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله عز وجل لم يُنزل داء إلا وقد أنزل معه دواء جهله من جهله وعلمه من علمه». رواه أحمد.
في نهاية الحلقة التلفزيونية، شعرت للحظات أنني في حلم من أحلام اليقظة، حين ظهر مشهد في خيال ذاكرتي البصرية، يصور حجة الإسلام أبا حامد الغزالي يبتسم بطمأنينة، وفي زاوية أخرى من المشهد القصير، ظهر الفيلسوف الفقيه: الحفيد ابن رشد وبجانبه مؤسس العلم التجريبي: عالم البصريات ابن الهيثم يحزمان امتعتهما ويلملمان كتبهما استعداداً لرحيل منتظر من واقع لم يستطع الخروج من عنق أزمته المتجددة...

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved