كانت الظلماءُ قد أحكمت قبضتها السوداء على الكون، وبنَتْ حواجزَها المعْتَمِة أمام منافذ النور، وخنقت الكواكبَ، وسَرْبَلَتْ ضوءَ القمر بسلاسل من ظلامها الرَّهيب.
لقد أعمى الهوى عيون أكثر البشر، فما عادوا يحتملون رُؤيةَ النُّور الذي يُريهم مواقعَ أقدامهم الهائمة، إنهم كالخفافيش التي لا تحسن أن تتحرَّكَ وتطير إلا حينما يستحكم الظلام.
الكُرة الأرضية كانت «كُرَة» فعلاً، تضربها أرجلُ الطُّغاة في ملاعب الأهواء والإنسان طائر كسيرُ الجناح في قفص الضياع، يأكل ويشرب، ويلهو ويلعب ويتمتَّع بلذَّاته كما تتمتَّع الأنعام، بل إنَّه أَضلُّ منها سبيلا.
في هذه العَتْمَةِ القاتلة، وهذا الليل البهيم، بزغتْ شمسٌ مُشرقة، كشف فجرٌ ساطعٌ عن ملامح وجهه الجميل، غرَّد بلبلُ السَّعادةِ بعد صمتٍ ثقيلٍ طويل، أرسلت الأرضُ تَنْهيدتين، إحداهما تعبر عن أسفها علي ما مضى من أيَّامها العجاف، وأخراهما تعبر عن فرحها الكبير بما لاح لها من بواكير الفجر الضاحكِ البديع.
(1) خّلّقّ الإنسّانّ مٌنً عّلّقُ (2) \قًرّأً وّرّبٍَكّ الأّكًرّمٍ (3)پَّذٌي عّلَّمّ بٌالًقّلّمٌ (4) عّلَّمّ الإنسّانّ مّا لّمً يّعًلّمً}.
الكُرَةُ الأرضية تكاد تهتزُّ فرحاً وسرورا، إنها ترى النور الذي ينهمر عليها مع وحي السماء، وتعلم أنه سينقذها من جيوش الظلام الغاشمة وقرارات الطُّغاة الظالمة.
هكذا بدأت رحلةُ الخير في هذا الكون مكملةً لرحلات الخير التي سبقتْها، تلك الرحلات التي بدأها الأنبياء، عليهم السلام، وها هو ذا أفضلهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم يُكمل الله به الدين، ويُتمُّ النعمة، ويُقيم به الحجة على العالمين.
إنَّها الشمس التي أشرقت من مهبط الوحي، وأضاءت الطريق أمام مواكب الخير التي شقَّتْ طريقها في ثقةٍ لا تعرف اليأس، وثباتٍ لا يعرف النكوص.
أما ترون نورها المبين، يتجلى في كتاب ربِّ العالمين، وسيرةِ خير المرسلين؟
إني ما أزال أعجب أيها الأحبة كلَّ العَجَب، وأسى كل الأسى على فئاتٍ من المسلمين نراهم يرفعون شعارات بعيدةً عن روح الإسلام، ويدَّعون أنها من الإسلام، ونراهم يسعون إلى تكريم نبينا عليه الصلاة والسلام بصور مصطنعة لو رآها صلى الله عليه وسلم لذكرهم بقوله «مَنْ أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رَدّ»، وبقوله: «لا تُطروني كما أطرت النَّصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا: عبدالله ورسوله».
لسان الحق ينادينا «تركتكم على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، أفلا نجيب؟؟.
إشارة: