الهند والباكستان الجارتان اللدودتان في الجوار واللدودتان في العداوة واللدودتان في السباق الصاروخي والسباق النووي ان جاز التعبير. بدأ الصراع بينهما منذ انفصالهما عن بعض اي منذ قرابة خمسين عاما عندما كانت باكستان بشطريها الشرقي والغربي. اصبحت باكستان الشرقية تعرف الآن ببنغلاديش وابتعدت عن مشكلة كشمير الى حد كبير. ولكن ما كان يعرف بباكستان الغربية، اصبح يعرف بباكستان ورث ازمة كشمير التي اصبحت جزءا من ارثه الحضاري والثقافي والسياسي والعسكري.
وهكذا يعود شبح الحرب من جديد بين الهند وباكستان بعد ثلاثة عقود من آخر حرب نشبت بينهما عام 1971م والتي سجلت انتصارا للهند على باكستان بل نكسة على باكستان حيث تم انهاء الوحدة السياسية بين باكستان الغربية والشرقية. ان حرب عام 1971م لم تكن الاولى وقد لا تكون الاخيرة بين الدولتين وخاصة في ظل المؤشرات العدائية القوية التي بدأت منذ قرابة ستة اشهر. لقد نشرت الهند قواتها وبأعداد كبيرة على الحدود مع باكستان في كشمير، كما ان باكستان فعلت الشيء نفسه. وجهت افواه المدافع وتمترس الجنود وتخندقوا على الطرفين والتهبت الجبهة منذ اكثر من اسبوعين من خلال المناوشات المدفعية التي يسقط على اثرها يوميا عددا من القتلى والمصابين. النازحون بالآلاف من الجانبين على الحدود بينهما. ان كل هذه مؤشرات على نشوب حرب قد تكون عصيبة وقد تكون مضنية وقد تكون مدمرة وكارثية. وهي فوق هذا وذاك لن يكون فيها منتصر بل سيكون الطرفان خاسرين وستكون الخسارة على حال نسبية. الهند بدأت تتحدث عن حرب خاطفة محددة المواقع ومحددة الاهداف في كشمير الباكستانية وهو اسلوب يهودي طبق في فلسطين على كل حال، الهند لمحت الى مثل هذه الحرب الخاطفة وكأنه نوع من التخدير للباكستانيين والايحاء بأن باكستان لن تتعرض لاذى فالمسألة تأديبية لما تسميهم بالارهابيين في كشمير. الهند تحاول تجنب حرب شاملة مع باكستان لانها بلاشك حسبت العواقب والمخاطر. لقد مهدت الهند لاحتمالية قيام الحرب منذ الهجوم على البرلمان الهندي في الثالث عشر من ديسمبر من عام 2001م وقد سبق ذلك هجوم في بداية نوفمبر من العام نفسه هجوم في جامو وكشمير قتل على اثره 40 شخصا. وجهت اصابع الاتهام الى باكستان مباشرة وبدأت منذ ذلك الوقت بالتلويح بالحرب بل انها دفعت بجيشها الى الحدود مع باكستان وبدأ الرئيس برويز مشرف في السعي الحثيث الى نزع فتيل التوتر وتعهد بالعمل على بذل كل الجهود لجعل باكستان خالية ممن اسماهم بالارهابيين وقرن ذلك باعتقالات لمن يشتبه بهم في ان لهم علاقات بهجمات او نشاطات ضد الهند ولكن الهند عادت لدق طبول الحرب من جديد ضد باكستان بعد الهجوم الذي استهدف اتوبيسا في كشمير في الرابع عشر من مايو 2002م.
ووجهت الاتهام الى باكستان مرة ثانية والقول بأنها تدعم الارهاب ضد الهند. الهند تهيىء الرأي العام العالمي وتقول بأنه نفد صبرها تجاه هذه الهجمات وكأن باكستان ملزمة بكل حادثة هجوم تحدث في الهند. الهند ركبت موجة مصطلح محاربة الارهاب وبدأت تتذرع به وتحاول استغلاله لصالحها، ولكن الوضع لن يكون سهلا بالنسبة للهند ولن تجد من يتحالف معها ويجلب الجنود للحرب معها ضد من تسميهم بالارهاب حتى لو وجدت نوعا من التعاطف هذه الايام وحتى لو نجح اعلامها في تصوير الكشميريين بأنهم ارهابيون. صحيح الهند قد لا تحتاج الى من يساندها بالجنود او السلاح ولكنها ستدخل حربا ربما تكون من نوع جديد في اسلحته. لن تتمكن الهند سواء شنت حربا على نطاق واسع او على نطاق محدود من منع من يرغب في التسلل عبر الحدود الى الهند للقيام بهجوم على مدنيين او عسكريين. لن تجني الهند وباكستان من دخولهما الحرب الا مزيدا من الفقر والتراجع في التنمية الاقتصادية ومزيدا من الجهل والمرض والتخلف وهما دولتان لا ينقص نسبة كبيرة من شعبيهما كل هذه المواصفات التي لا يحسدون عليها.
لماذا الحرب بين الهند وباكستان هذه الايام؟ باختصار شديد فان الحرب قد تقوم بسبب النزاع على جامو وكشمير. جامو وكشمير خلفها الاستعمار البريطاني كمشكلة بين الهند وباكستان بعد تقسيم شبه القارة الهندية الى باكستان والهند عام 1947م. وليس غريبا ان يخلّف الاستعمار البريطاني مثل هذه المشكلة حيث هو السبب في القضية الفلسطينية وقضية جنوب السودان وقضية هونكوق وجزر المالفينس او ما يسمى بالفوكلاند. على كل حال جامو وكشمير تقع في اقصى شمال الهند والى الشمال الشرقي من باكستان حيث ان اغلب سكانها مسلمون. لقد نشبت حربين بين الهند وباكستان من اجل جامو وكشمير احداهما عام 1947م والثانية عام 1965م. تسيطر الهند على الجزء الاكثر سكانا والسكان هناك يسعون الى الاستقلال.
باكستان تطالب بأن يصوت السكان حول رغبتهم في من يودون الانضمام اليه الهند او باكستان وهذا قرار اتخذته الامم المتحدة عام 1949م. وهو قرار من جملة قرارات اتخذتها الامم المتحدة بشأن الصراع حول جامو وكشمير.
ان خطاب برويز مشرف رئيس باكستان يلخص بمرارة هذا الارث العدائي وهذا الصراع المرير بين الهند وباكستان حيث استهله بالتأكيد على خطورة الموقف الذي تمر به باكستان في هذه الأيام مع الهند والذي قال فيه: إن باكستان تمر بمفترق طرق تاريخي وإن قرارات اليوم سيكون لها سلسلة من التبعات الطويلة المدى. أبدى مشرف رغبته بنقل رسالة واضحة إلى العالم بأن بلاده لا ترغب في الدخول في حرب مع الهند وبأنها لن تكون البادئة بشن حرب كما أنها ترغب في السلام في المنطقة.
أكد مشرف على أن بلاده لن تسمح على الإطلاق بتصدير الإرهاب إلى أي مكان في العالم وبأن بلاده لن تسمح لروح باكستانية بأن تزهق متلبسة ثوب الإرهاب وبأنها لن تسمح بعبور إرهابيين لخط الهدنة الدولي بين الهند وباكستان في كشمير.
ما أوضح بأنه اتخذ خطوات حازمة للجم الإرهاب منذ خطابه في الثاني عشر من يناير 2002م.
لم ينس مشرف أن يناشد العالم بأن يدعو الهند إلى تطبيع العلاقات مع بلاده وتهدئة الأوضاع على الحدود حيث إن التوتر لا يزال عاليا على الحدود وإن خطر الحرب لا يزال ماثلا للعيان.
إن خطاب مشرف يوضح بجلاء الرغبة الأكيدة لباكستان في المواجهة مع الهند، كما أن مشرف يدرك تماما أبعاد هذه الحرب ويدرك قدرة الهند، كما يرغب في أن تكون هناك آذان صاغية في الهند وفي العالم للمساعدة في الخروج من الأزمة التي تنذر بحرب خطيرة قد تقود لاستخدام السلاح النووي.
لم يغفل مشرف بأنه في الوقت الذي يعرب في عدم رغبة باكستان للحرب في أن يعرب عن استعداد باكستان لهذه الحرب في حالة فرضها عليها وبأن استجابتها ستكون بكامل القوة والرد المناسب وأن الباكستانيين سيحاربون كمسلمين ويقولون الله أكبر ليصبحوا منتصرين أو شهداء.
لقد أكد مشرف للكشميريين بعدم تخلي باكستان عن دعمهم ودعم قضيتهم من أجل الاستقلال عن الهند.
لقد ناشد مشرف في خطابه الزعماء السياسيين ودعاهم لمقابلته في هذه المرحلة الخطيرة التي تحتاج إلى التشاور كما دعاهم إلى نبذ الخلافات الشخصية والحزبية من أجل المصلحة العليا لباكستان. وهكذا ظهر مشرف يتغنى بالسلام على قرع فجباي لطبول الحرب؟.
فهل ستعلن الهند النفير والزحف على كشمير الباكستانية؟
هل سينقلب تغني مشرف بالسلام إلى تكبير وتهليل؟ هل ستقرأ الهند خطاب الرئيس مشرف جيدا؟
ما هي درجة المصداقية التي ستعطيه الهند لهذا الخطاب خاصة وأنه اقترن بتجارب صاروخية طويلة المدى قام بها الباكستانيون؟
هل سيكون له مردودا إيجابياً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل ستطالب الولايات المتحدة الرئيس مشرف بمزيد من الإجراءات لمكافحة الإرهاب على حد زعمها لترضي الهند؟
هل الولايات المتحدة ستكون جادة في محاولة منع وقوع حرب بين الدولتين؟ أين يقف العالم العربي والإسلامي وهل يمكن أن يكون للدول الإسلامية دور في الوساطة بين الهند وباكستان لتجني وقع الحرب بينهما؟ تساؤلات كثيرة حول أزمة تنذر بكارثة سيكون انعكاسها خطيرا على العالم بأسره فيما لو تفجرت.
|