ليس بمستبعد أن يكون خلف مقالة عبدالحفيظ الشمري المنشورة في الجزيرة «العدد 10778 في 19/1/1423هـ» بعنوان «الثقافة الغائبة»، حشد من التراكمات الانفعالية تجاه مواقف لا ادري كنهها، غير أني ألمح بين أسطرها احباطاً من جدوى البحث العلمي في خدمة المنجز الابداعي المعاصر، وبخاصة المحلي منه.
ومما طرحه في مقالته تلك: ضعف تفاعل البحث العلمي والمنجز الابداعي، عازياً ذلك الى ان الباحثين «لا يجذبهم شيء سوى ذلك البريق الآسر للشهادات والتقديرات»، فالذي يدعو الباحثين الى خدمة الابداع المحلي - في نظره - هو التسلق على سلم الابداع لقطف الشهادات.
ويبالغ عبدالحفيظ حين يذهب الى ان بعض من ينالون الدرجات العلمية، يقلبون ظهر المجن للمبدعين، حينما تنتهي الفائدة الوظيفية منهم، فلا يكترثون بإنجازهم، بل يحاول هذا البعض في رأيه ان يلغي او يهمش دور الاديب والمثقف.
وقد حكمت على رأيه هذا بالمبالغة، مع أني التمس له العذر لأنه احد المبدعين المشاركين في الحركة الثقافية بحضور جرئ مدهش، ولعله اطلع على كثير من الخفايا، واصطلى بنار المتسلقين - كما وصفهم - غير أني اود الوقوف مع مقالته تلك بضع وقفات، آمل ألا تكون حطبا يزيد النار اشتعالاً، فيؤجج الحساسية بين مؤسسات البحث العلمي والمبدعين، بل لعلها تكون عوداً معطراً، كلما احترق تضوع طيباً.
إن مقالة عبدالحفيظ هي صوت في جملة اصوات مختلطة: فيها الصوت العاقل المتزن الذي ينظر الى البحث العلمي نظرة الانصاف، ويحثه على زيادة التفاعل مع الابداع، دون ان يغض النظر عن تجليات الباحثين وما قدموه من جهد في خدمة الابداع والحركة الادبية المحلية.
وفيها الصوت الذي يهولك دويه، ولكنك لا تعرف له كنهاً، ولا تدرك معنى، لأنه ضجيج متصل، لا تنال منه إلا قبضة ريح، إذ هو أقرب الى التهويش والمغافصة.
وحيث ان مقالة عبدالحفيظ من الضرب الاول الذي يغلّب جانب الاتزان، ويبحث عن الحق، آثرت ان اعقب على مقالته، لأدفع عن حركة البحث العلمي التي انتمي اليها ما يظن بها من تقاعس عن مسايرة المنجز الإبداعي في المملكة، بله ما يقال عن منافرتها إياه.
أقول: ان البحث العلمي قد اسدى للابداع خدمات جليلة، ممثلاً بالجامعات ومراكز البحوث والدراسات ونحوها، وان قسم الادب في كلية اللغة العربية بالرياض - وأنا عضو فيه - قد التفت في وقت مبكر الى إبداعنا المحلي، وظل مسايراً له الى وقتنا هذا، فاسحاً المجال للتسجيل في موضوعات الادب السعودي، حتى بلغ ما قيّد فيه من هذه الموضوعات بضعة عشر موضوعاً في السنوات الخمس الاخيرة فقط.
وأنا أمثّل هنا بقسم الادب لعضويتي فيه - كما اسلفت - ولاني كنت وكيلاً له، اعرف عنه مالا اعرف عن غيره، والا فاني مدرك ان في الجامعات الاخرى اهتماماً مشاكلاً ان لم يكن فائقاً.
واعود الى ما انجزه قسم الادب مشيراً الى انه قدم للمكتبة العربية بضعة كتب - وهي رسائل علمية في الاصل - تعد امّات في بابها، رائدة في دراستها، ومنها «المقالة في الادب السعودي» للدكتور محمد العوين، و«السيرة الذاتية في الادب السعودي» للاستاذ عبدالله الحيدري.
ومن الجنوح للحقيقة والميل للانصاف القول بأن الرسائل العلمية تتفاوت في اهميتها وقدرات كاتبيها، اذ فيهم الباحث الجاد المبدع، وفيهم حاطب الليل، وهذا ليس مجال النقاش.
ومن المهم الاشارة الى ان قسم الادب يفسح صدره لدراسة الفنون الابداعية كلها شعراً ومقالة وقصة قصيرة ورواية، بل انه شجع على دراسة السرد القصصي في مذاهبه الحديثة، مستوعباً تيارات كثيرة ومذاهب متنافرة، رغبة من اعضائه في فتح النوافذ للجديد، تفكيراً في جدواه وتقويماً وتقييماً له، دون انكفاء او انطواء او ارتماء.
ولا شك في ان كثيراً من الباحثين يريد الشهادة - كما يذكر الاستاذ عبدالحفيظ - ولست ارى عيباً في هذا، ايُعاب الطموح؟! ان طلب الشهادة بدراسة منجز إبداعي محلي يجب أن يقابل بالتشجيع؛ لأن هذه الدراسة - مهما يكن مستواها العلمي - تلفت النظر وتحرك المياه الراكدة، ومهمتنا - معشر المتلقين - ان نحاكمها علمياً، ونناقش صاحبها ذوقياً، ونفتح معه باباً الى الحقيقة، لا ان نهزأ به او نرد عمله دون نظر محايد ومثاقفة متأنية.
واصل الى نقطة غاية في الاهمية: يقول الاستاذ عبدالحفيظ ان بعض الجهات تمارس التعتيم على الاطروحات العلمية خوفاً من ان تكون عرضة للمتابعة والنقد الهادف البناء.
وهاأنذ اقول بملء فمي: ان ذلك غير صحيح، والصحف شاهدة على اخبار عقد المناقشات العلمية في جامعة الملك سعود وجامعة الامام وجامعة ام القرى وغيرها، فأين التعتيم؟!
وان شئت فدعني أقلب المسألة، فأجعل الطالب مطلوباً، والشاكي مشكواً، لقد كنت إبان عملي في وكالة قسم الادب حريصاً على أن نتابع ارسال اخبار المناقشات، حينا الى وكالة الانباء السعودية، واحياناً اخرى الى الصحف نفسها مباشرة، فكان بعضها ينشر نشراً رديئاً، وبعضها يهمل، وهو الاكثر.
وليصدّق اخي عبدالحفيظ ان بعض اخبار المناقشات الجارية في مدينة الرياض تنشر في الدمام وجدة احياناً، وصحف الرياض نفسها لا تشير إليها! فأين الخلل اذاً؟!
وليصدقني الاخ العزيز في انني لم أر في مناقشاتنا العلمية للرسائل صحفياً واحداً طوال خمسة عشر عاماً - هي عمر انتمائي للقسم - إلا في النادر الذي يشاح عنه ولا يلتفت اليه؛ لأن مجيء الصحفي في هذا «النادر» إنما هو بوصفه صديقاً او اخاً للباحث، لا بكونه متابعاً ناقلاً للصحافة رأيه وانطباعه.
إن اساس الإشكال في نظري هو عدم تجاوب الصحافة مع ما تقدمه مراكز البحث العلمي، ولو قامت هذه الصحافة بدورها المنوط بها: متابعةً للرسائل العلمية وعرضاً لها، واستكتاباً للمتابعين ليُبدوا وجهات نظرهم في قيمتها وما تقدمه من إضافة نقدية في خدمة المنجزات الابداعية، لو قامت بهذا الدور لزالت تلك «الحالة الهامشية وغير المجدية».
وليعلم اخواننا العاملون في الصحافة - مبدعين كانوا ام غير مبدعين - اننا نرحب بمن يتابع المشاريع البحثية، وينقدها نقداً جاداً مبنياً على معرفة وادراك، وقراءة عميقة، وقد فتحنا الابواب واعلنّا عن مناقشات الرسائل، ولكن لا مجيب، بل ان بعضنا نشر رسالته، وقدّمها بين ايدي القراء كتاباً، ومع ذلك لم يجد من يقرأ ويتابع وينقد، فرجع يغالط خيبته، راضياً بنشر خبر صدور الكتاب فقط.
الا حيهلا بكل بحث يراود المنجز الابداعي، وبكل متابعة ونقد، ما كان الهدف خدمة الحقيقة، وتقويم مسيرة الادب والتفاعل الحي النابض الذي يفضي بنا الى اتمام البناء، واكمال ما نقص منه.
|