Tuesday 4th June,200210841العددالثلاثاء 23 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

شجب العنف والإرهاب الإسرائيلي المتزايدين شجب العنف والإرهاب الإسرائيلي المتزايدين
تشومسكي: الإدارة الأمريكية تشهد حالياً فوضى في الأهداف

* سيدني - خدمة الجزيرة الصحفية:
ناعوم تشومسكي يعتبر أحد أبرز المفكرين السياسيين في الولايات المتحدة.رغم أن تخصصه العلمي هو علم اللغويات. وقد بزغ اسمه لأول مرة في هذا المجال بعد أن كان له السبق في وضع نظرية النحو التحويلي. لكن تخصصه العلمي لم يمنعه من الدخول في غمار السياسة ليدلي بالعديد من الآراء التي تدل في مجملها أننا إزاء مفكر موضوعي، يعلو على التحيز العنصري، خاصة أنه من أصول يهودية.
هيئة الإذاعة الاسترالية اجرت مؤخراً مع تشومسكي حواراً شاملاً تتطرق فيه إلى أهم القضايا السياسية الدولية مثل الهيمنة الأمريكية، الصراع العربي الإسرائيلي، العراق. لا شك أن الحديث، كما يقولون، قديم جديد؛ لكن مع تشومسكي، الأمر مختلف.. وفيما يلي نص الحوار:
فوضى السياسة الأمريكية
* شهد موقف الرئيس بوش تجاه أزمة الشرق الأوسط تطورات متلاحقة؛ لكن الفترة الأخيرة أظهرت بوادر تنم عن تخبط وتناقض إدارة بوش تجاه المنطقة، في رأيكم، ما الذي يحدث؟
- الفوضى التي تشهدها الإدارة الأمريكية حالياً، من وجهة نظري، فوضى في الأهداف، ما أقصده هو أن الجناح اليميني، المتطرف، في إسرائيل يستفيد بشكل ما من تصاعد العنف ضد الفلسطينيين، بل يواصل هذا العنف إلى أن يسحق الشعب الفلسطيني تماماً، لكن هناك البعض ممن يهتمون بتداعيات الموقف الذي يزداد تعقيداً في المنطقة وتأثيره على العالم العربي، ولذلك يسعون إلى إيجاد سياسة ما لإنهاء الأزمة.
والأمر برمته غير مستقيم بالمرة، ومن الصعب طرحه للمناقشة. والموقف تجاه الشرق الأوسط لا يحمل أي شكل من أشكال التنسيق. هناك عنف وإرهاب متزايد من الجانب الإسرائيلي، وهذا أمر مريع، ولا سبيل إلى تبريره بأي شكل. وواقع الأمر يقول إن الفلسطينيين واقعون تحت الاحتلال العسكري منذ 35 عاماً، وهو احتلال غاشم، قاس، عنيف إلى أبعد حد، بل تحركه الدوافع العنصرية والمدمرة في آن واحد. زد على ذلك أن هذا الاحتلال يلقى دعماً كاملاً من جانب الولايات المتحدة، ولا يتوقف عن أنشطة الاستيطان والتوسع داخل الأراضي المحتلة. وكان باراك أول من بدأ انتهاك كل الاتفاقات التي أبرمت منذ اتفاق أوسلو. ولم تكف أمريكا عن دعمه بكافة الوسائل والطرق. الأمر ملتو، لا تناسق ولا انسجام فيه.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تعاني الدول العربية من انتقاد حاد من جانب الإعلام الغربي رغم التطور الجذري الذي طرأ على مواقفها، وآخرها المبادرة السعودية التي لا يحول دون تنفيذها سوى المعارضة الشديدة من جانب إسرائيل وأمريكا، إرهاب الدولة.
* في ضوء ما قلته بخصوص قسوة الاحتلال الإسرائيلي، ما رأيك في عمليات المقاومة التي ينفذها الفلسطينيون، ورأيك في منفذيها بشكل خاص؟
- إنهم يسعون إلى نيل حريتهم؛ رغم اختلاف الآراء حول منفذيها. من جانبي، أعارض تماماً هذا الأسلوب في المقاومة؛ لكنه في الوقت ذاته، لا يذكر مقارنة بالإرهاب الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة.
وبطبيعة الحال، العنف لا يعكس سوى عنف مثله. وإرهاب الدولة دائما ما يكون أكثر تطرفا من الإرهاب الذي يصدر عن الأفراد. هذه قاعدة عامة لا تعرف الاستثناءات.
احتلال غير مبرر
*إن كنت تعترض بشكل ما على العمليات الاستشهادية من جانب الفلسطينيين، فهل يحق للإسرائيليين مواجهة تلك العمليات ووضع حد لها بأي أسلوب تراه، كما يرى آرييل شارون منذ أن بدأ هجومه الإرهابي على الفلسطينيين دون تمييز أو مراجعة؟
- يدعي الإسرائيليون أنهم يدافعون عن أنفسهم، وقد يؤيدهم البعض في ذلك؛ لكن ليس من حقهم تبرير احتلالهم لشعب آخر وانتهاكهم بصورة صارخة كافة الأعراف والقوانين الدولية بهذا المستوى الفج من الإرهاب والقسوة. لاتبرير لكل هذا، لا تبرير لاحتلال دام 35 عاماً.
لذا، لو كان هناك تسوية سياسية، لو كان هناك تحركات نحو تسوية سياسية حقيقية، لو كان هناك موافقة من جانب أمريكا وإسرائيل على التسوية السياسية العادلة، لقلنا إنه من حق الإسرائيليين الدفاع عن أنفسهم بأي أسلوب يرتضونه. لكنك لا تستطيع وصف ما يقومون به على أنه دفاع عن النفس، في الوقت الذي تحتل فيه بلداً آخر وتحكمه بالحديد والنار. هذا الاحتلال لا يبرر الأفعال الإرهابية، ولا معنى هنا للتشدق بمبدأ الدفاع عن النفس.
لا وجه للمقارنة
* هل ترى أى وجه للمقارنة بين ما تفعله المقاومة الفلسطينية وأحداث 11 سبتمبر؟
- لا وجه للمقارنة على الإطلاق. أما الرد المناسب والصحيح على ما حدث في11 سبتمبر، فموضوع وقضية أخرى. وإن كان لنا أن نتطرق لهذا الموضوع، ينبغي أن نكون مهيأين لإرساء بعض المبادئ. على سبيل المثال، من البديهيات أن ما تعتبره أمراً صائباً، سيكون لدى الآخرين كذلك؛ وما تعتبره خطأ، سيعتبره الآخرون خطأ. وإذا لم نوافق على هذا المبدأ من البداية، لن نستطيع الحديث عن الخطأ والصواب.
لذا، إن كان هناك من يعتبر أن الرد المناسب على أحداث 11 سبتمبر بضرب أفغانستان أمراً لا غبار عليه، فلا بد أن يعتبروا أن الرد المناسب على الإرهاب الأمريكي بضرب واشنطن نفس الشيء. وأنا لا أرى أي فرد يوافق على هذا المبدأ. أنا متأكد. لذلك، الحديث عن هذا الموضوع الذي أثير منذ أحداث 11 سبتمبر يمكن إلغاؤه ببساطة شديدة على أساس أنه لا يرقى إلى أدنى مستوى خلقي ممكن.
هذا لا يعني ترك مسألة الرد المناسب على تنظيم القاعدة بدون مناقشة. أعتقدأن هناك رداً مناسباً؛ لكنه رد يختلف عما يحدث الآن، رد لا علاقة له بما يحدث على أرض أفغانستان، أو بين إسرائيل والفلسطينيين.
مقارنة إسرائيلية سخيفة
* الموقف الإسرائيلي يقول إن هناك وجهاً للمقارنة بين تبريرها لما تفعله وبين تبريرات أمريكا إزاء إعلانها الحرب على الإرهاب، بما في ذلك تغيير الحكومات. ما رأيك؟
-المقارنة والموازنة هنا لا معنى لها وسخيفة. إسرائيل تنفذ سياسة احتلال عسكري منذ 35 عاماً، وهي سياسة لا تخلو من العدوان الغاشم والقسوة والعنف والتدمير. لا وجه للمقارنة على الإطلاق. فما تفعله لا يبرر ما تقوم به إزاء أنشطة المقاومة من جانب الفلسطينيين، ولا يبرر الأنشطة الإرهابية التي لاتريد أن تتوقف؛ فلا وجه للمقارنة بأي أسلوب كان.
العراق قضية خطيرة
* هل بالإمكان الآن الانتقال إلى موضوع آخر، ألا وهو خطط الرئيس بوش وسياسته تجاه الهجوم على العراق، وهي السياسة التي تأثرت إلى حد بعيد بما يحدث في منطقة الشرق الأوسط؟ هل الزعم بوجود هجمات إرهابية محتملة تستخدم أسلحة الدمار الشامل يبرر الضربة الوقائية ضد العراق؟
- الضربات الوقائية تحتاج إلى أدلة دامغة لا تقبل الشك مطلقاً، كما تتضمن دائماً قدراً عالياً من التبريرات.
ومن الصعب علينا أن نأخذ ما يقوله بوش، ومستشاروه، حول مبرراتهم للإطاحة بصدام حسين على محمل الجد. صدام حسين وحش كاسر، لا أشك في ذلك، والإطاحة به ستريح الشعب العراقي والعالم كله. لكن مستشاري بوش لا يعارضون صدام بسبب جرائمه، ولا بسبب مساعيه لتطوير أسلحة الدمار الشامل. كلنا نعلم ذلك جيداً.
فعندما ارتكب صدام حسين أبشع جرائمه، كان يفعل ذلك بدعم من بوش الأب. واستمر الدعم من جانب أمريكا، ومن بريطانيا أيضاً، حتى بعد ارتكاب أفظع الجرائم.
لقد كان، في نظر الأمريكيين، الصديق والحليف المخلص.
علاوة على ذلك، استمرت الولايات المتحدة وبريطانيا في تزويده بالوسائل اللازمة لتطوير اسلحة الدمار الشامل. وكان في ذلك الوقت أشد خطورة من الآن.
أمر آخر، إذا نظرت إلى الأفراد الذين تسعى الولايات المتحدة إلى تجميعهم لوضعهم مكانه، كالجنرال الذي لم يستطع حضور الاجتماع مع الجهات الأمريكية لأنه قيد التحقيق في الدنمارك لمشاركته في مذبحة، ستتساءل هل هذا يدل على جهود مخلصة لجلب الصالح العام للشعب العراقي؟
إن قضية التعامل مع صدام حسين وما ينبغي فعله قضية خطيرة للغاية؛ لكنك لاتستطيع أن تتعامل بجدية مع هؤلاء ( يقصد مستشاري الرئيس بوش).
الأدلة مطلوبة
* إذاً، ما نوع الأدلة المطلوبة التي ينبغي توفيرها؛ خاصة أن هذه الأدلة يصعب الوصول إليها بواسطة الهيئات الدولية، مما يعني أننا في نهاية المطاف سنعتمد على أدلة واردة من وكالات استخباراتية؟
- ليس المطلوب الثقة في الوكالات الاستخباراتية. المطلوب هو الثقة في نواياها، وشتان بين هذا وذاك.
ولا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد بأنه من حق أي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، أن تتعامل بصورة مستقلة، وبعنف، بناء على القيادات الخاصة بها. هذا سخف.
نحن لا نسمح بذلك لأي كائن، فلماذا نسمح به للولايات المتحدة؟
الهدف الحقيقي
* وماذا عن الضربة الوقائية ضد العراق، والتي جاءت بناء على اقتراح من المدير السابق للمخابرات الأمريكية، وتحديدا ضد مصانع قيل عنها إنها تصنع الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية أوالنووية؟
- بداية، لم تقدم الولايات المتحدة أي أدلة على وجود هذه المصانع أو مؤشرات تدل على أنها تشكل تهديدا أو تنوي الهجوم. ليس هذا هو هدفهم.
ما يهدفون إليه، كما نعلم جيداً، ولا داعي لأن نبدو سذجاً، هو أن العراق يملك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم. وبشكل أو بآخر، تسعى الولايات المتحدة إلى السيطرة على تلك الموارد، ومنعها عن مناوئيها الذين يشاركونها فيها، مثل روسيا وفرنسا، معتقدين (يقصد الأمريكيين) أن هذا في حد ذاته ذريعة لمايقومون به.
فصدام حسين ما زال نفس الوحش الكاسر سابقا عندما دعمته أمريكا وبريطانيا دعما قويا رغم الفظائع التي ارتكبها، بل في الفترة التي كان يطور فيها أسلحة الدمار الشامل. كل هذا بقي على حاله، لكن دعنا وخداع أنفسنا بالأسباب التي يستخدمونها كذريعة.
السيطرة على النفط
* لكن هناك تزايد في البيانات الصادرة عن القادة الأمريكيين وفي الصحافة، فضلا عن البيانات التي تسربها الوكالات الاستخباراتية، وجميعها توفر أدلة تكفي لإقناع الرأي العام الأمريكي بأن الهجوم على العراق ضرورة لا غنى عنها؟
- كل ما قلته بشأن البيانات لا شك فيه؛ لكنني أسقط كلمة «أدلة». فمما لا شك فيه فعلا هو وجود جهود جادة لإيجاد ذرائع تبرر الهجوم على العراق، وإن كان الهدف هو السيطرة على ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم.
أنا لا أختلف معك في أن هناك نية للتخلص من صدام حسين، الأمر الذي سيريح العالم كما قلت؛ لكن ليس هذا هو الهدف.
الهدف كما وصفنا من قبل، وتذكر معي ما حدث بعد حرب الخليج عندما سيطرت الولايات المتحدة سيطرة تامة على المنطقة. في ذلك الوقت. اندلعت ثورة في الجنوب العراقي قام بها الشيعة، وكادت أن تقضي على صدام حسين لولا سماح جورج بوش الأب له بقمع تلك الثورة باستخدام المروحيات والوسائل العسكرية الأخرى. وكل هذا تم تفسيره علانية.
وقد كتب ساعتها توماس فريدمان، المراسل الدبلوماسي لجريدة «نيويورك تايمزفي ذلك الوقت»، أن قمع تلك الثورة كان ضرورة لا غنى عنها؛ لأنه من الأفضل للولايات المتحدة أن يكون لها قبضة عسكرية قوية على العراق تشبه قبضة صدام حسين عليه.
ذاك كان الاتجاه العام حين سمح بوش الأب لصدام حسين أن يقمع ثورة الشيعة في الجنوب. ولا تغيير في الموقف الآن. ولو أرادت الولايات المتحدة أن تسيطر على العراق بالقوة، فسوف تضطر لأن تتبع نفس السياسة.
ولن تسمح أمريكا بقيام حكومة ديمقراطية في العراق، ولو بأقل شكل من الديمقراطية؛ لأن غالبية الشعب العراقي من الشيعة. فلو قدر أن تواجدت أي مشاركة ديمقراطية، فأكبر الظن أن الحكومة العراقية ستتجه نحو التحالف مع إيران، أو على الأقل سيكون هناك اتصالات بينها وبين إيران، وهذا ما تسعى أمريكا إلى الحيلولة دونه. كما يفسر لك هذا السبب الذي يجعل أمريكا تسعى إلى تنظيم الجنرالات العراقيين في المنفى والمتورطين في انتهاكات دموية، ودفعهم إلى تشكيل قبضة عسكرية قوية من السنيين تحكم العراق مثلما كان يحكمها صدام، تماما كما وصف فريدمان.
جندي إسرائيلي يصوب سلاحه نحو فلسطينيين ويطالبهما بخلع ملابسهما (أ.ف.ب)

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved