Tuesday 4th June,200210841العددالثلاثاء 23 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

المَشْيُ.. وتضاريسُ الروح المَشْيُ.. وتضاريسُ الروح
د. عبدالرحمن بن حبيب

كلما مشيتُ وأنى حللتُ رأيتُ النبتَ أعلمُ بالأرضِ منَّا»، هكذا قال صاحبي مازن ... قلتُ: إنه الأعرقُ يا رفيقَ الشعرِ، هو العِرقُ يحضنُ الماءَ غفوةً، الوريقةُ تعانقُ الضوءَ عبيراًً يمرّ، وتنثرهُ هديةَ حبٍّ للآمنين، سلمٍ للمحاربين.. ومن كل أُغنية رتم.
هل نستطيعُ يا رفيقي أن نوازنَ بين عَسْكرِ المدينة وغَنَجِ الرمان؟ يا صاحبي دعْ قدميكَ ترتديان عطراً من الريحِ، واتركْ لذراعيكَ أن يحلقّا جناحينِ قُدَّتا من صهيلِ النشوة.. فالمنتشي سلطان!
يا رفيقي، ماذا عساني أكتبُ لك عن مَشيٍ مذاقه عضوي اللَّوعةِ، والروحُ مُلتفَّةٌ بالمدى.. والمدى ضائع بالمدى!؟؟ قلتُ: إمشِ مسافة لا تُقاس، بين النبتِ والصخرِ، إلتقط مهارةَ الجذرِ وهو يراقصُ الأحجار، قبِّل سيقان شيجرات يتماوجنَ في المُرج غافلات، واحضن جذعَ النخلةِ كي تحيا الحياة.. فتحيا الحياة!!
إمشِ .. إياك أن تقف، تد في الأرضِ قدميك، وبعيداً نحو هامات النخيل إرمِ عينيك.. ثمةَ رؤيا تضوعُ في ناظريك، حياةٌ تمورُ هناك تشتهي يديك، فتلقفها - لا أب لك - إنها لديك!!
أمش مديداً - مليا، وعالج الناسَ بإماءة حُرَّةَ الثغر. لا تقف!! واصلِ السيرَ.. إياك أن يخاتلك التعبُ، فعندما تنهك الروحُ لا يتعب الجسدُ.. إمش.. الدَّمُ يفزُّ مواقدَ بين غياهب الروح.. يتَّحدُ الناسُ مع الشجر.. تتآلف الرؤى.. تقتربُ المعالُم.. تضيعُ الزوايا.. والناسُ تدنو. ثم تدنو وتلتصقُ حتى تصاهرَ روحك.. وتغدو أشكالهم حميميةً.. من ألف عامٍ كنتَ تعرفهم.. يا بن النسيان!! هكذا سيقولُ دمُكَ المتَّقِدُ، أو هكذا سيُنبؤك المشيُ!! فهو مشيٌ يرفعُ الروحَ نحو هامات النخيل! والنخلُ إغراءُ!!
وأقولُ، أمشِ ثم امشِ حتى تملُّ السيارات من وقاحاتها.. أوحتى يهدر بكاؤك بصراخٍ مكتومٍ مزاجهُ إنسان ينوء بوطأة الحنين الى أوليات الطبيعة وأبجديات المراعي. فهاجر وأنت تمشي نحو البراءة.. فوق تلافيف الجسد.. في عمق متاهات الروح.. هناك يغدو التُرابُ سفحٌ، والماءُ برقٌ، والمدى صولجان! هذا هو المرعى، يا صويحب، فاسرح!! وأمتط صهوة الأفقِ! حلِّق مع الطيور المهاجرة.. أو إنفرد بسربٍ وحدكَ نحو هامات الكواكب!!
وحين تغفو الروح.. ليس إلا الشجر.. ظلُّ ظليل.. يتمايلُ الجسد إنهاكا، يآخي الجذعَ ويستريح القلبُ مع ترنيمة عرق تُعطي الشاي كهنوتَ المذاق، أجنحة ترفرفُ بين سحب كثة هطلت للتو على الضلوع، فهشت لها ريح الصبا.. جرعة النعنع والزنجبيل ترق لها الحنايا، جرعات ترقص وتحملك على بساط أخضر، نحو أرضٍ عذبةٍ لا بلاد لها، تهدهدك بنشوة تخترق المفاصل.
استرخِ الآن على الأريكة، وأعلم بأن نعسة الزنابق كانت تغني لنا..
نم الآن يا صاحبي.. ملكاً متوجاً على نفسك والفصول..
خاتمة المشي شعراَ:
قليلٌ من الركض يُعليْ الجسدْ
وفيضٌ من المشيِ يرخيْ الكلامْ
كلامُ الحزينِ الذي صامَ دهراً على تلَّةٍ في الظلامْ
ثمَّ عاد الى الدَّرب يبحث عن دربه
فيَمشي ويَمشي على خفقةٍ للحمامْ
ويَرفعُ في الدَّرب روحاً تضيءْ
لتَدخل نحو بيوتٍ طواها الظلامُ على مهلٍ في الزحام
وخاتمةُ المشيِ يَغفو الجسدْ
ينامُ على درجٍ من حطامْ؟
وأعرفُ أنَّ لا سلامَ على جسدٍ يَعشقُ الريحَ حين ينامْ!

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved