في صبيحة يوم الاحد الماضي 14/3/1423هـ حدث لي حادث عجيب أحببت مشاركة اخواني القراء في التمتع او التحرق بدراميته وعجبه، فقد كنت في طريقي الى العمل اقود سيارتي في المسار الايسر في الطريق الدائري الشرقي لمدينة الرياض وفجأة سمعت بصوت انفجار شد انتباهي لأكتشف بعد برهة من الارتباك ان صاروخا، عفوا اعني سيارة تسير خارج حدود الطريق الرسمي خلف الخطوط الصفراء بسرعة مجنونة - تزيد عن 170 كم/الساعة - وتصطدم بالمرآة الجانبية اليسرى من سيارتي، ويستمر قائدها في تهوره واستخفافه بالقيادة غير آبه بالآخرين.
ان هذا المشهد - القيادة خارج الطريق خلف الخط الاصفر - يتكرر في كل لحظة حتى اصبح امرا مألوفا في ذلك الطريق السريع، مع العلم ان المسافة لا تتجاوز المترين مما يضطر المتهورين الذين يستخدمونه الى الدخول الى المسار الايسر في الطريق الرئيسي وتعريض ارواح الآخرين للخطر.
المعروف عالميا انه يحظر السير بعد الخط الاصفر الا لسيارات الاسعاف، والغريب اننا لا نرى رجال المرور يعملون اي شيء تجاه هذه المخالفة الخطيرة على الاطلاق، بل ربما لا يعرفون انها مخالفة صارمة.
إذا تحدثنا عن الوفيات في المملكة نتيجة الحوادث المرورية فانها مفجعة، ذلك انها تمثل اكثر من 85% من الوفيات نتيجة الاصابات وتحصد ارواح 4000 شخص سنويا، بل إن الحقيقة ان الرقم اكثر من ذلك بكثير فهو يزيد على 9000 شخص سنويا، لان تلك الاحصائية تحسب الوفيات في مكان الحادث وداخل قسم الاسعاف ولا تحسب الوفيات في غرف العمليات، ولا في اقسام العناية المركزة وغيرها نتيجة الاصابات التي تتجاوز نسبتها اكثر من 50% من عدد الوفيات، مما يجعل المملكة من أكثر الدول في اصابات الطرق ومن اعلاها في نسبة الاصابات المرورية.
وبالرغم من هذه الاحصائيات المرعبة، فاننا لا نرى علاجا رادعا، ولا ضربا بيد من حديد لمعالجة هذا الخلل الظاهر، والتقليل من فجائعه المستمرة، ولذلك فالنسب في تزايد، وقد زادت في العام الماضي وحده بحوالي 10%، فإلى متى؟!!
اعمل جراحا في احد مستشفيات مدينة الرياض وفي الاسبوع الماضي لم أكن مناوبا الا انني لم اترك المستشفى لثلاثة ايام متواصلة الا بعد التاسعة مساء، نسابق الزمن في غرف العمليات لإنقاذ حياة شباب يصارعون الموت نتيجة اصابات الطرق، ومن آخر هذه الحالات شاب يبلغ من العمر 20 عاما، أمضينا 6 ساعات في غرفة العمليات لتصليح تمزق في الشريان الاورطي الرئيس المتهتك له، الا انه توفي بعد ذلك بساعات في غرفة العناية المركزة لان اصابة الرأس لديه كانت بالغة مما اصابنا بالاحباط الشديد.
إن سيارات المرور منتشرة وخاصة عند التقاطعات وعلى جوانب الطرق الا اننا لا نرى اي فاعلية لها!!
ان رجال المرور موجودون داخل تلك السيارات الجميلة والمخالفات حولهم ليست بالعشرات - بل اكثر - دون تحريك ساكن، ترى هل هم نائمون داخل تلك السيارات!!
نسمع كثيرا من المحللين في الاصابات المرورية يتحدثون عن مثلث الحوادث«المركبة، السائق، الطريق» وينسون ركنا رابعا، بل انه العمود الرئيسي في ذلك، انه غياب الرادع المروري، الذي يجبر السائقين على احترام الآخرين، انه الاسلوب الانجع في ايقاف المستهترين الذين يزهقون الارواح الواحدة تلو الاخرى، ويعرضون انفسهم وغيرهم للهلاك.
الى متى نتجاهل دور هذا الرادع المهم، ونتنصل من المسؤولية ونبحث عن مشاجب كثيرة نعلق عليها نتائج التقصير في ايقاف هذه المحصدة البشرية.
إن المرء ينظر حوله في بعض الدول المجاورة، فيرى الانضباط في القيادة والاحترام الكثير لأنظمة المرور، والراحة التامة في القيادة فيأسى كثيرا لواقعنا وحال القيادة عندنا،
ويعلم يقينا ان الفرق بيننا وبينهم انما يتمثل في انتشار رجال المرور وسياراته، ودقة متابعتهم، وصرامتهم الشديدة في مجازاة كل مخالف او مستهتر،
فإلى متى ونحن نمني انفسنا باللحاق بركب الامم المتحضرة، وهل يستيقظ رجال المرور قبل موت شخص آخر؟!!
استشاري جراحة الاوعية الدموية |