أدرك الإنسان منذ القدم أهمية الأسنان وحاول ان يعوض عن الأسنان المفقودة بوسائل شتى والتي رغم بدائيتها، كانت تدل على عمق القناعة لدى القدماء بضرورة وجود بدائل للأسنان المفقودة وذلك لتسهيل مضغ الطعام ولأسباب تجميلية ونفسية.
وقد بذلت على مر السنين الماضية محاولات جادة ومتميزة لإيجاد مايعوض الأسنان الطبيعية من حيث الوظيفة والشكل وقد تم تحقيق إنجازات كثيرة وتطورات مهمة على نوعية المواد المستعملة وتقنيات تصنيع الأسنان الصناعية سواء كانت متحركة أو ثابتة (تيجان وجسور).
ولكن كان لكلا الطريقتين سلبيات تتجلى في حالة التركيبات المتحركة بعدم الثبات الكافي في حالة امتصاص الفك وفي حالة التركيبات المتحركة تتجلى في التحميل على الأسنان المجاورة لمكان السن المراد تعويضه عن طريقة بردها وتصغيرها والتي قد تكون سليمة وخالية من التسوس أو الحشوات.
وفي إطار المحاولات المستمرة للتغلب على السلبيات السالف ذكرها برزت فكرة تقليد السن الطبيعي من حيث الشكل التشريحي ووجود جذر يستمد منه السن ثباته وكان التحدي هو إيجاد مادة يتقبلها عظم الفك ويتحد معها حيويا وميكانيكيا ودارت عجلة التطوير والبحث حتى طرحت في الأسواق أشكال متعددة من الزراعات منه ماهو مخروطي ومنها ماهو اسطواني، بعضها أملس السطح والبعض الآخر محلزن وتنوعت المعادن التي صنعت منها الزراعات وتم تغليف بعضها ببلورات تشبه في تركيبها تركيب العظم الطبيعي وأخذت عجلة التطوير هذه ما يقارب الخمسين سنة.
ولقد تم تطوير التقنيات الجراحية والأدوات اللازمة لذلك كما برزت الحاجة لوجود طرق جديدة لاجراء التركيبة النهائية والتي ستكون على الشكل تاج السن الطبيعي وشمل هذا التطور أيضا معامل الأسنان من حيث تدريب فنيي الأسنان على أساليب إنهاء التركيبة والأدوات المستعملة والتي تختلف حسب الشركة الصانعة لنظام الزراعة.
ولربما من أهم العوامل في نجاح اجراء الزراعة هو الفحص السريري والشعاعي الدقيق وأخذ السيرة الصحية للمريض للتأكد من توافر عوامل نجاح الغرسات السنية وضمان ان يستفيد منها المريض لأطول فترة ممكنة.
ولابد من الإشارة هنا إلى ان نسبة نجاح زراعة الأسنان لايعتمد فقط على الطبيب بل وعلى المريض أيضا، حيث ان دور الطبيب يتجلى في تقدير ما إذا كانت الحالة مناسبة للزراعة ومن ثم اجراء العمل الجراحي بالتقنية الصحيحة وفيما بعد ولفترة تمتد من 4 -6 أشهر البدء بعملية التركيب على الزراعات وبعد كل مرحلة يأتي المريض بالعناية المستمرة وإعطاء جهد إضافي لتنظيف ماحول الزراعات لمنع الالتهابات اللثوية التي يمكن ان تؤدي إلى فشل الغرسة وضياع الوقت والجهد والمال على المريض.
ولابد من الإشارة هنا إلى ان بعض أنظمة الزراعة تمكن الطبيب من إجراء التركيبة النهائية مباشرة أو الانتظار لفترة أقل بكثير من 4 أشهر وذلك يعتمد على تفضيل الطبيب لنظام الزراعة والذي يتوفر منه عشرات الأنواع في الأسواق.
هناك بعض العوامل التي يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار أهمها عناية المريض بالصحة الفموية وان يكون على درجة من الوعي والقدرة على تنظيف فمه بفعالية وانتظام، كما ان التدخين يعتبر من العوامل ا لتي تقلل من نسبة نجاح الزراعات لما يسببه من تأثير سلبي على الدورة الدموية في اللثة وبالتالي إضعافها ومن ثم إصابتها بالالتهابات الحادة والمزمنة، والذي قد ينتقل إلى العظم المحيط بالزراعة وبالتالي تخلخلها وسقوطها كما يحصل للسن الطبيعي بسبب التهابات اللثة طويلة الأمد والتي لاتعالج بالشكل المناسب.
كما ان هناك بعض الأمراض العامة كالأمراض التي تصيب العظام أو الغدد الصماء، أمراض القلب والكلى، وتليف الكبد وانخفاض المناعة ويمكن في بعض الحالات اجراء الزراعة لمن يعانون من بعض الأمراض العامة ولكن بشرط ان يكون هناك سيطرة طبية تامة على هذه الأمراض.
ونذكر أيضا بعض العوامل الموضعية التي قد تثني الطبيب عن عمل زراعة اسنان كعدم وجود سماكة كافية في عظم الفك خاصة ان كان امتصاص الفك قد وصل لدرجة لا يمكن فيها حتى زيادة مكان الزراعة عن طريق الطعوم العظمية (المواد الشبيهة بالعظام).
كما ان وجود علاقة إطباقية معقدة بين الفكين الأعلى والأسفل يمكن ان يحد من نجاح زراعة الأسنان ويمكن ان يكون تحدد فتحة الفم عاملاً سلبياً في اجراء الزراعة بالكفاءة والفعالية المطلوبة وهنا يطرح السؤال هل هناك حد أعلى لعمر معين للإنسان لاينصح بعمل الزراعة لمن تجاوزه.
وفي الحقيقة فإن عمر الإنسان لايحد من إمكانية عمل الزراعة والعامل المهم هو مدى حضوره الذهني وقدرته على التعاون مع الطبيب أثناء الزراعة والاعتماد عليه في العناية بالصحة الفموية واتباع تعليمات الطبيب.
وأود ان أتطرق لموضوع ان مما ينصح به ان لايتطرق الطبيب إلى موضوع الزراعة كأول الحلول لمشكلة فقدان الأسنان بل يجب ان يستنفد في البداية من الأساليب التقليدية في تعويض الأسنان المفقودة كالتركيبات المتحركة أو الثابتة على شكل جسور وفي حال ظهر ان هذه الأساليب التقليدية لها سلبيات كعدم كفايتها الوظيفية أو التجميلية أو النفسية فعندئذ يطرح موضوع الزراعة كحل أفضل وأنسب.
هناك نقطة مهمة يجب على الطبيب ان يشرحها للمريض وهي انه بالرغم من نسبة النجاح العالمية للزراعة فإن هناك بعض الحالات ورغم القيام بالتقنية الجراحية السليمة واجراءات التركيب بصورة صحيحة فإنه يمكن للزراعة انه تفشل في الثبات في مكانها وهذا لايظهر أحياناً إلا عند بدء استعمال الزراعة في المضغ.
إن الأهمية القصوى يجب ان تعطى للحفاظ على نعمة الأسنان التي أعطانا إياها الله الخالق ومهما تطور العلم فلا يستطيع ان يعوض مثيل الأسنان الحقيقية.
وبعد ان كانت هناك بعض الأسنان قد فقدت فإننا سنتمكن ان شاء الله من تقديم حلول تمكن المريض من استعادة وظيفة المضغ والحصول على أسنان تعيد له البسمة والرضا.
|