الداعية في الإسلام هو جزء أساسي من البنيان الإسلامي حتى تكتمل الحياة الإسلامية الصحيحة، وحتى يستمر الإسلام في انتشار نوره، ليلف أصقاع المعمورة قاطبة، وكان الداعية على مدار العصور محط اهتمام المجتمعات الإسلامية والقائمين على أمورها، حتى أصبح أمراً طبيعياً نحياه في حياتنا اليومية. ونعرفه بشكل وثيق، لأن على عاتقه يقوم أمر انتشار الدعوة، وكما ذكرنا أكثر من مرة فإن المسلم أي مسلم هو بحد ذاته داعية، وهنا نود التأكيد على الداعية الذي أصبح جل عمله يتمثل في الدعوة.
أما ان نقول نصف داعية فهذا أمر جديد بظاهره، ولكنه حقيقة واقعة بمضمونه، وما قصدته هو ذلك الذي أخذ بعض مبادئ الدعوة، واكتفى بما حصل عليه، ولم يواصل طلب العلوم الشرعية، والتزود من مناهلها، ولم يستطع أو لم يرغب في التواصل والاطلاع على وسائل التقنية الحديثة، وتوظيفها لصالح العمل الدعوي، وهذا أمر بمنتهى الضرورة والخطورة.
أيضاً نصف الداعية - أو أقل- هو ذلك الذي ملأ رأسه بالغرور، وصار إعجابه بنفسه محط استهجان واستغراب الآخرين، ولم يأخذ باعتباره مقامات الناس ومكانتهم في مجتمعه أو المجتمعات الأخرى، لا بل لم يأخذ باعتباره الناس كل الناس، وظن نفسه الطاووس بينهم.
إن نصف الداعية هو الذي لا يحسن التعامل مع الآخرين، فتجد التجهم والعبوس في وجهه، والشدة والغلظة في أسلوبه، وفي حديثه، وكذلك اتسم لفظه بالنزق، وصارت ملامحه مخيفة ليس للأطفال فحسب، بل وللكبار أيضاً.
نصف الداعية هو ذلك الذي تهافت على الدنيا، وركض إليها يشد عليها بنواجذه، إنه اللاهث وراء جمع الأموال والثروات والذهب والفضة بأي وسيلة كانت وأي طريقة مهما وضحت دناءتها، إنه الذي يستخدم الدعوة كمطية له لأجل جمع الثروة والشهرة.
إنه الذي ينتقص الآخرين من أخوته الدعاة، وطلبة العلم، ويحاول الحط من مكانتهم وإنجازاتهم وآثارهم المباركة الطيبة في المجتمع.
إنه الذي لا يشارك في وسائل الإعلام بحجة أن الدعوة تقتصر على المسجد، وهذا لعمري قمة الخطأ.
وحسب ما سبق فإن أنصاف الدعاة كثر، وخطرهم كبير، وضررهم لا يخفى على ذي بصيرة سواء بالنسبة لعملية الدعوة او للمجتمع أو حتى على أنفسهم.
إن الدعاة مثلهم في ذلك مثل الأطباء والفقهاء والمعلمين بحاجة دائمة الى عملية تقويم من أجل الاستمرار في الاطمئنان على حالة الدعوة والدعاة، لا بل إن ذلك ضرورة أكبر بالنسبة للدعاة. نقطة نضعها عند من يهمه الأمر. والله الهادي الى سواء السبيل.
|