Friday 7th June,200210844العددالجمعة 26 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

رحم الله أبا صالح رحم الله أبا صالح

الموت طريق كل حي. سنة الله الماضية في خلقه لا يفلت منها صغير ولا كبير ولا غني ولا فقير ولا أمير ولا مأمور. الناس فيه سواسية كأسنان المشط لا يؤجل ولا يؤخر ذا مال لماله، ولا ذا جاه لجاهه، ولا ذا علم لعلمه. يدلف للبيوت دونما استئذان لا يمنع منه حرس ولا حجاب، يخترق الأسوار والأبواب.
وفي الموت عبر وعظات وحكم وآيات وفيه من بيان عظم الحي الذي لا يموت براهين بينات.
(26)وّيّبًقّى" وّجًهٍ رّبٌَكّ ذٍو پًجّلالٌ وّالإكًرّامٌ}.
هذه أفكار تراءت حيه في خاطري يوم ان هاتفني الشيخ الكريم عوض بن علي الجميلي ليلة الأربعاء الثالث من شهر ربيع الأول يخبرني بوفاة الشيخ الكريم وابن العلم الجليل والداعية البار بالدعوة أبي صالح خلف بن صالح الريّس ولن أسطر كم كانت الفاجعة بالخبر غير ان المؤمن يصبر ويحتسب مصيبته عند الله تعالى ويلح بالدعاء لميته وحبيبه.
ومضت تلك الليلة في حزن على الشيخ خالطها عود للذكريات ورصد لبعض معالم حياة هذا الرجل الأبي.
* لقد عرفت أبا صالح طالبا في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم ذلك المعقل العلمي الذي خرج فئاما كثيرا من أهل العلم وطلابه، عرفته طالب علم جاداً ساعياً في التحصيل يريك في مشيته أدب طلبة العلم وفي جلسته تواضعهم وفي سؤاله حب الفائدة ونلت شرف تدريسه في مستوى دراسي فرأيت منه ذلك وأكثر.
* عاش أبو صالح حياته منذ نعومة أظفاره على خير وصلاح واستقامة فلم تعلم له - والله حسيبه - صبوة.
ضرب المثل في ان الشباب وهم من ريعان شبابهم يملكون مقومات الاستقامة بعد توفيق الله لهم وسلوكهم في رفقة صالحة ومحضن تربوي كريم في البيت والمدرسة والمجتمع، مما يهز معه كثيراً من نظريات إعذار بعض التربويين لأخطاء الشباب في مرحلة ما يسمونه بالمراهقة. وحياة الجيل الأول من شباب محمد صلى الله عليه وسلم خير شاهد ودليل.
* عرف الشيخ رحمه الله تعالى بحسن الخلق وطيب المعشر فكان مؤدب الحديث مؤدب الاستماع ذا سجايا جميلة وخلال كريمة وطباع خيرة لا يرفع صوته يكن الاحترام والتقدير لكل من حوله ويبادلونه ذلك يألف ويؤلف؛ فكان هذا من أسباب محبة واحترام الناس له ولا عجب في ذلك فإن حسن الخلق يسع الناس بخلقه وتعامله ويملك قلوبهم بطيب معشره ويؤثر في الناس فيجد قبولا وانقيادا.
وان تشييع المجتمع على جميع فئاته للشيخ - حيث رأينا الشاب والكهل والشيخ الكبير ورأينا في المقبرة بكاء عليه ليس من أهله وذويه بل من كثير من محبيه - لهو دليل صادق على موقع أبي صالح من قلوب كل هؤلاء.
وصدق الله العظيم {فّبٌمّا رّحًمّةُ مٌَنّ پلَّهٌ لٌنتّ لّهٍمً وّلّوً كٍنتّ فّظَْا غّلٌيظّ پًقّلًبٌ لانفّضٍَوا مٌنً حّوًلٌكّ}.
والنبي المختار صلى الله عليه وسلم فينا قولا وفعلا فضل الخلق الكريم وعظم أجره وأثره على الناس يقول صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه «إن من أحبكم اليَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا.. الحديث» رواه الترمذي.
(23) وّاخًفٌضً لّهٍمّا جّنّاحّ پذٍَلٌَ مٌنّ پرَّحًمّةٌ وّقٍل رَّبٌَ \رًحّمًهٍمّا كّمّا رّبَّيّانٌي صّغٌيرْا}.
* منذ تخرج الشيخ قدس الله روحه وهو مشتغل بالتعليم في المعاهد العلمية التابعة لجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية والتي لا يدرس فيها إلا المتمكنون في العلم الشرعي لقوة مناهجها فدرس في المعهد العلمي بمحافظة الدوادمي ثم في المعهد العلمي بمدينة بريدة وكانت محطته الأخيرة المعهد العلمي بمحافظة الرس حتى توفي رحمه الله.
* أحبه طلابه وألفوه ورأوا فيه القدوة لهم بتدينه وخلقه وحرصه عليهم افادة ونفعا فكان يسعى في مصالحهم ويسعى في الخير لهم ويشاركهم مناشطهم.
* للشيخ مشاركة رائعة في النشاط اللامنهجي في جامعته «جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية» يوم ان كان فيها طالبا ثم بعد ان كان معلما كان شعارها - فيما نحسب - الاخلاص وحب نفع الغير.
* للشيخ رحمه الله مساهمة مباركة في الدعوة الى الله تعالى في الكلمة والموعظة والتوجيه والارشاد خصوصا في القرى والهجر التي يكثر فيها الجهل ويحتاج فيها للعلم والدعوة الى الله تعالى.
يحدوه في ذلك الاقتداء بالأنبياء ووارثيهم ورغبة في نفع عباد الله تعالى وطلبا للأجر والمثوبة.
كما قال تعالى {وّمّنً أّحًسّنٍ قّوًلاْ مٌَمَّن دّعّا إلّى پلَّهٌ وّعّمٌلّ صّالٌحْا وّقّالّ إنَّنٌي مٌنّ پًمٍسًلٌمٌينّ} .
* للشيخ خلف بن صالح الريس رحمه الله تعالى قدح معلى في البذل في ادارة العمل الدعوي عبر المكتب التعاوني للدعوة والارشاد في محافظة الرس حيث كان عضوا فاعلا مؤثرا في مسيرة هذا المكتب، والذي هو من معالم التميز الدعوي في ادارته وتخطيطه وبرامجه ليس على مستوى منطقة القصيم بل على مستوى المملكة.
حيث كان الشيخ - رحمه الله - يعمل متطوعا في المكتب مشاركا في أعماله ومناشطه فقد كان في لجنة اعلام الدعوة ثم عضوا في العلاقات العامة ثم مشرفا للعلاقات العامة منذ عام 1416هـ وحتى توفاه الله تعالى.
* تميز رحمه الله في عمله الدعوي بالحرقة والبذل والجد للعمل المناط به غير سائم ولا كال ولا مال يتحرك بهمة ونشاط يستشعر المسؤولية ويعظم المهمة يشفق عليه من حوله وهو يجد لذته وسلوته في أحسن طريق وأهدى سبيل الدعوة الى الله تعالى.
* كان الشيخ عليه رحمة الله تعالى غيورا على محارم الله تعالى آمراً بالمعروف ناهيا عن المنكر مشاركا بذلك قدر استطاعته متواصلا مع العلماء في ذلك يسعى جهده حريصا على سفينة المجتمع وطلبا لخيرية الأمة كما قال تعالى:{كٍنتٍمً خّيًرّ أٍمَّةُ أٍخًرٌجّتً لٌلنَّاسٌ تّأًمٍرٍونّ بٌالًمّعًرٍوفٌ وّتّنًهّوًنّ عّنٌ پًمٍنكّرٌ وّتٍؤًمٌنٍونّ بٌاللَّهٌ}.
* في ادارته للدورات العلمية الصيفية والمخيمات الدعوية يلحظ فيه الحس الاداري المتميز والابداع في أساليب التجديد وهذا ناتج عن حمل هم العمل وحسن التخطيط وجماعية العمل مع زملائه.
* الشيخ رحمه الله عالمي الدعوة فليس جهده قاصرا على بلده بل حمل قلبه هم دينه في كل مكان يتشوف لنصرة الاسلام وانتشاره فكان وهو على سرير المرض يسأل عن أخبار المسلمين في الشيشان وفلسطين وفي غيرهما.
ولعل ايقاف مكتبته كما جاء في وصيته لأحد البلاد الاسلامية دليل على حمله هم المسلمين في كل مكان.
* مع جلالة وعظم ما يقوم به من عمل تربوي ودعوي إلا أنه ليس برجل أضواء ولا ظهور فلم يكن طموحا لظهور اسمه وصيته وبروز عمله فتدخل عليه في مكتبه فتراه حين تراه وكأنه أقل الناس عطاء وهو من أكثرهم وتراه يحسن الصمت ليدلل به على احسان العمل.
ولعل هذا - فيما نحسبه فيه - من معالم الاخلاص لله تعالى في العمل وارادة وجه الله تعالى فيه لا يرجو من الناس جزاء ولا شكورا.
* أصيب بمرض عضال وهو في ريعان شبابه لازمه خلال الأربع سنوات الماضية وهو مرض السرطان ومع آلامه الشديدة التي تهد الرجال وانشغاله بعلاجه إلا ان الله سبحانه وتعالى رزقه صبرا على ما أصيب به من البلاء وايمانا بما كتب الله له من القضاء فعاش خلالها واثقا بربه محسنا ظنه بمولاه راضيا بما قسم الله له فكسب بفضل الله عليه نفسا مطمئنة ساعدته على التحمل وعدم الانقطاع.
ومع شدة لآوائه فقد ضرب مثلا عليا في الدعوة الى الله فلم يمنعه المرض من العمل فقد ظل عاملا في برامجها مخططا ومتابعا ومشاركا حمل بدنه هم مرضه ولم يحمله قلبه الغيور ولا نفسه التواقة للخير ويراه من لا يعرفه فما يدري ان مرضا عرض له لما يرى فيه من قوة الارادة حتى أقعده المرض.
ولك ان تقف على همه الدعوي وهو في العناية المركزة حين كان يفيق حينا ويغمى عليه أحيانا فكان في افاقته يناصح من حوله بلسانه الذي كان من المرض لا يبين وبتلويح يده التي كانت لا تسعفه كثيرا.
* ضرب مجتمعنا مثلا عاليا في معرفة قدر أهل الفضل والعلم والدعوة الى الله تعالى حين غص الجامع الكبير في محافظة الرس بالمصلين على الشيخ وامتلأت مقبرة المحافظة بالمشيعين في مشهد ينبىء عن الحب لهذا الشيخ والاعتراف بفضله كتب الله للجميع الأجر والمثوبة.
* وحين أكتب هذا عنه فإني لم أقصد به إلا تقديم درس للشباب الصالح في شاب عاش بينهم ومات شاب البدن والروح فهو بحق قدوة للشباب في صلاحه واستقامته وبره بوالديه وتربيته لأبناء المسلمين والجد والبذل في نفع عباد الله واسداء الخير للغير والمشاركة الفاعلة في الدعوة الى الله تعالى.
وحين يكلم القلب لفراقه يسليه ايماننا بالله تعالى وحسن ظننا به وان أخانا رحل الى ما هو خير له من الدنيا ان شاء الله فنسأل الله ان يقبله في الصديقين وان ينزله منازل الشهداء والصالحين وان يجمعنا به في جنات النعيم.والحمد لله رب العالمين

د. عبدالعزيز بن محمد العويد/جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - فرع القصيم

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved