ستظل سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي الرصيد التاريخي الأول الذي تستمد منه الأجيال المتلاحقة من ورثة النبوة وحملة مشاعل العقيدة زاد مسيرها وعناصر بقائها وأصول امتدادها.. ومن درس تاريخه - صلى الله عليه وسلم - رأى نسقاً من التاريخ العجيب استعلى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - والفئة المؤمنة معه على عناصر المادة وعوامل الجذب الأرضي وارتقوا بالإنسانية إلى درجات لم يشهد لها مثيلاً فأنشأ عليه الصلاة والسلام رجالاً إن عبتهم بشيء لم تعبهم إلا انهم دون الملائكة.. ربِّي كل فرد منهم ليكون قائداً لأمة.. ولو تأملت أفعاله صلى الله عليه وسلم وجدتها تقول لك «إني أصنع أمة لها تاريخ الأرض من بعد» ولن تستطيع النفس ان ترتقي بإنسانيتها إلى أمثال الأمم من سابقتها إلا إذا أدركت غاية وجودها وتأملت في أحوال الأمم السابقة من حيث رصيدها التاريخي الطويل الحافل بالانتصارات الذي لم تظفر به أمة من الأمم كما ظفرت به أمة الإسلام «إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة كلمات تفيض إيمانا وتشع ضياء خرجت من نفس تربَّت على يد القائد المعلم صلى الله عليه وسلم أدركت غاية وجودها وعملت على تحقيقها.. وألقت درسا على العالم ان قوة العزيمة فوق مظاهر العلم وقوة الاعتقاد في الحق فوق النظريات الفلسفية والمذاهب العلمية وان قوة الأمم لا تقاس بضخامة عددها إنما بقوة إيمانها وإصرارها على البطولة أما اليوم.. فان المتمعن في أحوالنا يجد الهوان والذلة قد تلبس بنا وطبع على قلوبنا.. فأصبحنا كما يقول الشاعر.
فرَّوا إلى وادي الهوان ويمموا جبل المذله كلهم يتسلق |
فكيف يكون النصر؟ ونحن نرضى لأنفسنا هذا الذل ونلوذ إلى صمت مخيف
عجبا لهم يلقون كل إهانة وجوابهم أبداً سكوت مطبق |
كيف يكون النصر؟ ونحن في جهل عن أحوالنا وأحوال أمتنا الإسلامية من تفريق وتمزيق ولنعلم انه سيأخذنا الدور لو ظللنا نلاحق دوائر الاستفهام وتصنيفات المصنفين وتدور علينا الدائرة ونحن نحدِّق إلى بريق زائف.
كيف يكون النصر وعدونا يوجه إلينا أقوى أسلحته المدمرة من جميع الجوانب ومع ذلك لم يتحرك فينا إنسانية أو ضمير بينما في بقاع الأرض تقدم أرواح من أجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن المقدسات الإسلامية عاملين بقول الله «ان تنصروا الله ينصركم» وبعد هذا تظل أمتنا الإسلامية في موقف عصيب إذا هي لم تدرك ما أصابها من ذل ومسكنة وهي تمتلك أعظم الوسائل لتحقيق النصر.. البذل والدعاء والجهاد بالسيف والقلم ولكي يتحقق هذا نبدأ بأنفسنا ونقيم ماقد اعوج فيها ونرجع إلى الكتاب والسنة.
وهكذا يجب ان يكون كل من أراد ان يشارك الكتائب الأولى في سيرها نحو المجد في الطريق الطويل..
فاطمة ناصر القرني/مدرسة الأبناء بالكلية الحربية
|