الاهتمام بالثقافة، وتشجيعها، ورعايتها، ضرورة ملحة، بل حاجة نفسية واجتماعية للفرد والجماعات، تقع مسؤولية الاعتناء بها في الدرجة الأولى على كاهل الحكومة.
ففي المجتمعات المدنية، أو تلك التي تسعى إلى المدنية، تعتبر الثقافة والفنون والآداب مجالاً للارتقاء بالإنسان، وبتفكيره، وحلاً نفسياً لأشغال الفراغ، فضلاً عن كونها مظهراً من مظاهر الرقي والتقدم الإنساني للأمم..
وفي المقابل، فإن اهمالها، أو تهميشها، أو اللامبالاة بها، سيؤدي حتماً إلى «فراغ» لابد وأن يأتي «آخرون»، لا محالة، ليستغلوه، بفكر، أو مفاهيم، أو رؤى، قد لا تخدم استقرار هذه المجتمعات، ولا ترسخ التعايش بين أفرادها. هذه حقيقة تاريخية وموضوعية لا مجال للاختلاف عليها، أو حتى الجدل حولها.
وكل ما كان المجتمع معنياً بالثقافة، والفنون، والآداب، كل ما كان أكثر تسامحاً، وأقدر على ادارة الخلاف والاختلاف من خلال الكلمة والحوار ومقارعة الحجة بالحجة، وكلما ابتعد هذا المجتمع عن هذه القيم، كان انسانه أضيق أفقاً، وبالتالي أكثر تطرفاً في قناعاته، وبعداً عن فهم الآخر وحواره ونقاشه، ليحل محل الحوار التصارع، ومحل التفهم والتفاهم العداء والتطاحن.
وللحقيقة أقول: إننا في المملكة لم نهتم كما ينبغي بالثقافة، وانصرف جل اهتمامنا بالرياضة، وتحديداً بكرة القدم، بينما كان اهتمامنا بالثقافة، وبفعالياتها، لا يعدو أن يكون اهتماماً احتفالياً، لا يمس الفرد بقدر ما يهتم بالمظهر العام.
ولن أكون بعيداً عن وصف حالتنا الاجتماعية كثيراً، لو قلت: ان هذه اللا مبالاة بالشأن الثقافي من الداخل، قد أدى إلى خلل في الوعي المعرفي لدى الإنسان السعودي، وأعطى الفرصة سانحة للانتهازيين للسيطرة على الواقع الثقافي المحلي، وتشكيل ذهنية الفرد بما يرسخ بعض الرؤى والأفكار والمعايير التي تتناقض تناقضاً كلياً مع متطلبات الحضارة المعاصرة، ولا تواكب تطلعاتنا التنموية، ولا تتوافق في التحليل الأخير مع هدف بناء الإنسان المعاصر القادر على مواكبة مفاهيم العصر الحضارية.وأمام ذلك كله، فإنني أجد أن الحاجة ملحة، ويتزايد الحاحها يوماً بعد يوم، لايجاد مؤسسة حكومية: وزارة ثقافة، أو مجلس أعلى للثقافة والفنون والآداب، تكون مهمتها الأساسية الاهتمام بالشأن الثقافي، والاعتناء بترسيخ القيم الثقافية والفنية والأدبية الايجابية، على مستوى الفرد والمجتمع معاً، وتوكل إليه - أيضاً - مهمة دراسة الظواهر الثقافية السلبية، ورصد ابعادها، والبحث عن دوافعها وبواعثها، والعمل على الأخذ بيد المجتمع إلى ترسيخ المفاهيم القيمية التي من شأنها اشغال الشاغر الثقافي الذي نعاني من تبعاته أشد المعاناة، خصوصاً في الآونة الأخيرة.
|