* صنعاء الجزيرة عبدالمنعم الجابري:
الفعاليات الجماهيرية الشعبية التي عاشها الشارع اليمني على مدى الأسابيع الماضية تضامنا ودعماً لأبناء الشعب الفلسطيني في ظل ما يتعرض له من جرائم حرب وحشية من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.. هذه الفعاليات حملت العديد من المواقف التي أثارت الاهتمام ولفتت أنظار المراقبين والمتابعين لها.. ولعل أهم هذه المواقف هي تلك التي برزت من خلال فعالية حملة «جنين» التي كرست لجمع التبرعات لصالح الشعب الفلسطيني ولدعم الانتفاضة، واستمرت عشرة أيام في مختلف المحافظات اليمنية.. ومن المواقف المشار إليها موقف أبناء الطائفة اليهودية في اليمن والذين سجلوا حضوراً لافتاً في هذه الحملة عندما سارعوا للتبرع بالدم والمال مثلهم مثل غيرهم من المواطنين اليمنيين، كما عبروا عن استعدادهم للقتال إلى جانب الفلسطينيين ضد «شارون» وجيشه.
وأعلن يهود اليمن عن رفضهم واستنكارهم وإدانتهم لما يعتبروه ممارسات إرهابية تقوم بها القوات الإسرائيلية ضد ابناء الشعب الفلسطيني، وهم يصفون «شارون» بأنه إرهابي ومجرم حرب ولا يمت لديانتهم «اليهودية» بصلة.. وان كل ما يقوم به من أعمال وممارسات وأعمال إنما هي محرمة في «التوراة» وخارجة عن تعاليمها.
وقد كان لهذا الموقف ان أعاد اليهود اليمنيين من جديد إلى دائرة الأضواء وأثار كذلك موضوع الجدل والحديث حول قضيتهم وقصتهم، كما شد أنظار واهتمامات المراقبين والمتابعين للشأن اليمني على مستوى الساحة الداخلية والخارجية.
ويشكل أبناء الطائفة اليهودية في اليمن أقلية محدودة جداً بالنسبة للمجتمع اليمني الذي يعيشون في أوساطه والبالغ اجمالي سكانه أكثر من 18 مليون نسمة في حين يقل عدد الذين يعتنقون الديانة اليهودية بعدة مئات، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى ان عددهم يتراوح بين 300 - 400 شخص، بينما تفيد معلومات لمصادر مستقلة بأنهم يزيدون على الألف.
وهؤلاء هم كل من تبقى بعد الهجرة الجماعية لليهود اليمنيين إلى فلسطين في عامي 48 - 1949م، وذلك في عملية اطلق عليها اسم «البساط السحري» أو بساط الريح.. وجرى الترتيب لهذه العملية من قبل الوكالة اليهودية وبدعم ومساندة أمريكية وبريطانية كبيرة وتم خلالها ترحيل نحو 50 ألف يهودي عبر جسر جوي شاركت فيه طائرات بريطانية وأمريكية وذلك من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في منطقة «الشيخ عثمان» بمحافظة «عدن» التي كانت تحت سيطرة الاستعمار البريطاني حينها إلى مطار «اللد» الإسرائيلي على مدى عدة أسابيع.. وقيل إن العملية تمت ضمن صفقة كبيرة مع الإمام أحمد يحيى حميدالدين الذي كان يحكم اليمن حينها، وتواصلت هجرة اليهود اليمنيين بعد ذلك عن طريق البحر من ميناء عدن وتم خلال الفترة من 1950 حتى 1953 ترحيل أكثر من 15 ألف شخص.
وكما تشير المصادر فقد وصل إجمالي عدد اليهود الذين هاجروا من اليمن إلى ما بين 130 - 150 ألف شخص معظمهم توجهوا إلى فلسطين وقليل منهم اتجهوا نحو بريطانيا وأمريكا.
ويقال ان أعداداً محدودة من يهود اليمن كانت قد بدأت الهجرة إلى فلسطين منذ عام 1882م وذلك في أعقاب زيارات مكوكية قام بها إلى اليمن المبشر اليهودي النصراني «هنري هارون ستيرن» والحاخام يعقوب سافير في الفترة ما بين 1830 - 1859 وكانا يلتقيان باليهود اليمنيين لغرض استدراجهم للهجرة إلى القدس.. وتم ذلك في إطار الهجرات التي مولها آنذاك الثري الصهيوني «روتشايلد».. وتوالت هجرة يهود اليمن إلى فلسطين حتى عام 1910م عندما وصل إلى البلاد أحد أعيان حركة حزب العمل اليهودي ويدعى «شموئيل يافنيلي» وتمكن من اقناع نحو 15 يهوديا بالهجرة.. وقد غادر هؤلاء اليهود اليمن في الفترة بين عامي 1910 1912م.. إلى ان جاء قرار تقسيم فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية حيث نفذت أكبر عملية تهجير كما سبق الإشارة.. وكان الدكتور عبدالكريم الارياني قد أعلن في تصريحات صحفية في وقت سابق بأنه يوجد حاليا في إسرائيل نصف مليون يهودي من أصل يمني.
ولعل ما تجدر الإشارة إليه هنا هو ان من أبناء الطائفة اليهودية المتبقين في اليمن يتمتعون بكامل حقوق المواطنة ويمارسون شعائرهم الدينية بحرية تامة، كما يشاركون في الانتخابات العامة ويدلون بأصواتهم مثلهم مثل غيرهم من المواطنين اليمنيين.. ولذلك يؤكد يهود اليمن الذي ينتمي معظمهم إلى عضوية المؤتمر الشعبي العام الحزب الحاكم الذي يتزعمه الرئيس علي عبدالله صالح بأنهم راضون عن حياتهم.. وانهم محظوظون ببقائهم في اليمن.. لأن من هاجروا إلى فلسطين وجدوا بأن الوعود والاغراءات التي دفعتهم للهجرة إلى فلسطين لم تكن سوى مجرد اكذوبة وخدعة، وان استقطابهم من اليمن كان لغرض استغلالهم وتشغيلهم كمزارعين من منظور ان للإنسان اليمني خبرة وشهرة تاريخية في النشاط الزراعي.
ومن هذا المنطلق جاء استقطاب اليهود اليمنيين ليقوموا بمهمة التأسيس لقاعدة زراعية في إطار الخطط المتصلة بإيجاد المقومات والمكونات الاقتصادية وغيرها من المقومات اللازمة لبناء دولة إسرائيل مع بدايات نشأتها.. وحتى الآن لم يستطع اليهود اليمنيون الذين هاجروا إلى فلسطين التأقلم أو الاندماج مع غيرهم ممن قدموا من بلدان أخرى وبالذات الأوروبية كما يروي بعض من تبقوا في اليمن والذين يقومون بزيارات إلى أقاربهم في إسرائيل، وينقلون عنهم بأنهم يشعرون بوجود نوع من العزلة أو التمييز، كما لا يحصلون على دعم ومساعدات مثل غيرهم من الجاليات، بحيث انهم يعتمدون على أنفسهم بشكل شبه كامل في تأمين متطلبات الحياة وذلك من خلال عملهم في النشاط الزراعي.
وإلى جانب ذلك يواجه اليهود المهاجرون من اليمن بما يحملونه من ثقافة وعادات وتقاليد يمنية محافظة صعوبة في التعايش مع باقي فئات المجتمع الإسرائيلي بسبب عدم قدرتهم على التأقلم مع التقاليد الغربية والتي وجدوا انها لا تتفق مع اخلاقيات تقاليدهم اليمنية التي مازالوا يحافظون عليها حتى الآن ويرفضون الخروج عنها.. ولكل هذه الأسباب التي سبق الإشارة إليها تجد أبناء الطائفة اليهودية المتبقين في اليمن غير متحمسين للهجرة إلى إسرائيل واللحاق بمن سبقوهم من بني جلدتهم.. ويقولون انه ليس هناك ما يستدعي رحيلهم طالما هم يحظون باهتمام من جانب الحكومة اليمنية.
ولعل ما زاد في قناعتهم بعدم جدوى الهجرة هو ان بعضهم كانوا قد خاضوا تجارب صعبة على هذا الصعيد جعلتهم يعودون أدراجهم إلى اليمن حاملين قصصاً مؤلمة.
وهذه قصة «عمران بن يحيى» من اليهود المقيمين في منطقة «ريدة» إلى الشمال من صنعاء الذي كان قد غادر اليمن برفقة زوجته وأولاده السبعة قبل أكثر من ثمانية أعوام لغرض الهجرة.. لكنه وجد نفسه بعد عامين من سفره مجبراً على العودة إلى منطقته الأصلية «ريدة»، وبدون زوجة أو أولاد.
ويروي «عمران» تفاصيل قصته مع هذه الرحلة التي تركت جرحاً عميقاً في نفسه.. بأنه وجد من الصعب بالنسبة له العيش في أمريكا أو إسرائيل، لأن العادات والتقاليد هناك لم تعجبه، نتيجة اختلافها عن تلك التقاليد المحافظة التي اعتاد عليها في اليمن والتي تحفظ للإنسان كرامته وحقوقه.. وأكثر ما أثار غضبه ودفعه للعودة إلى اليمن هو التحرر الزايد للمرأة والذي جعله يفقد زوجته وأولاده الذين يدرسون حالياً في أمريكا.. ويقول هذا اليهودي اليمني انه تفاجأ بزوجته بعد الخروج من اليمن تتخلى عن عاداتها وتقاليدها والأخلاقيات التي نشأت عليها مما أثار خلافات شديدة بينهما.. ويضيف بأنه لم يستطع السيطرة على زوجته التي لم يمنعها شيء عن السير في طريق التحرر والانفلات والانفتاح على الطريقة الغربية..
ويشير «عمران» إلى ان زوجته عملت بالمثل اليمني القائل «إذا جئت وأهل البلاد عور، إعور عينك مثلهم».. ويعلق «بأن الأفضل لزوجته وأولاده لو انهم بقوا في اليمن».. ويقول هنا «في اليمن الحياة الاجتماعية أفضل.. حقوقك لك وزوجتك وأولادك وكل شيء يخصك هو لك.. لكن هناك إذا خرجت زوجتك عن طوعك فإنك لن تقدر عليها.. والناس يتزوجون من الشارع».
ويعبِّر أبناء الطائفة اليهودية في اليمن عن حبهم وتقديرهم للرئيس علي عبدالله صالح.. ويقولون انهم يشعرون في عهده بالطمأنينة وبمستويات معيشية أفضل، كما يفتخرون بمواقفه من القضايا الوطنية والقومية، ولذلك فهم يخصصون خمس دقائق عند كل صلاة للدعاء له بالصحة والعافية والتوفيق والسداد.
ويأملون بألاّ يلاموا بذنب غيرهم، وذلك في إشارة إلى ما يحدث داخل الأراضي الفلسطينية من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي وما تمارسه من أعمال ارهابية ضد أبناء الشعب الفلسطيني.
ويقول يهود اليمن ان الصهاينة الموجودين في فلسطين هم جنس خبيث وقد زيفوا الدين اليهودي وخالفوه بما يقومون به من جرائم.. وان «شارون» لا يعمل بتعاليم الديانة اليهودية وما جاء في «التوراة» التي تحرم سفك الدماء وقتل النفس البريئة.. «والأعمال التي تحدث في الأراضي الفلسطينية مقصورة على اليهود القادمين من أوروبا».
ويقول الشاب اليمني اليهودي «فايز يحيى» ويعرف ب«العيلوم» ويعمل مدرساً للدين اليهودي لابناء الطائفة اليهودية في «ريدة» إن التوراة لم تحدد فلسطين بأنها أرض الميعاد وإنما حددت أماكن مقدسة في هذه الأرض لا يجوز لليهود أداء طقوسهم الدينية إلا فيها، على أساس أنه يجب زيارة الاماكن المقدسة لأداء الطقوس المذكورة من دون الاقامة.. مضيفاً بأن الصهاينة استغلوا هذا الأمر لجمع اليهود من مختلف دول العالم إلى فلسطين.. ولو أنهم أقاموا دولتهم في أي مكان آخر لما جاء إليهم أحد.
ويضيف «فايز يحيى» بأنه لا أمل في انتهاء الصراع بين الصهاينة والعرب وبالذات الفلسطينيين الذين يصفهم «التوارة» بأنهم جبارون.. وان العالم «ريبول» ذكر في مؤلفاته بأن الأرض لن تهدأ إلا بزوال الصهاينة.
ويؤكد اليهود المقيمون في منطقة «ريدة» اليمنية بأن وجودهم في اليمن يعود لما يقرب من 4500 عام.. وقد كان هناك عدد كبير من اليهود اليمنيين الذين عاشوا في مدينة «صنعاء» حتى عام 1948م عندما قرروا الهجرة إلى فلسطين.. ويشار هنا إلى أنه كان لليهود الذين عاشوا في صنعاء حياً خاصاً بهم في المدينة القديمة التي كانت مقسمة إلى ثلاثة أقسام تفصلها عن بعضها أسوار ترابية مازال بعض أجزائها باقية حتى اليوم.. وكان لكل قسم من أقسام المدينة الثلاثة طابع خاص ونمط معماري متميز.. والقسم الأول وهو القسم الشرقي والأكبر من حيث السكان والمباني، حيث كان يضم الأحياء القديمة والأسواق والمساجد، وتمتاز مبانيه بالفخامة والزخرفة وتعدد الطوابق.. والقسم الأوسط ويضم مجموعة من الحدائق وقصور الإمام والحاشية.. اما القسم الثالث فيعرف ب«قاع اليهود»، وحالياً يطلق عليه اسم «قاع الشهيد العلفي».
كما كان اليهود في صنعاء يشكلون طبقة أحسن حالاً من بقية طبقات الشعب اليمني من حيث مستوى المعيشة..
وكانوا يزاولون أعمالهم وديانتهم ويتمتعون بحماية الإمام في مقابل دفع الجزية لبيت المال.. وكانت منازل أولئك اليهود مبنية على نمط مختلف على الأنماط الشائعة في المدينة كما لا يزيد ارتفاعها عن طابقين.. وجدرانها الخارجية كانت تطلى بالطين الذي سرعان ما يتأثر بفعل الامطار وعوامل التعرية الأخرى، وبالتالي تبدو المنازل غير جميلة ومشوهة من الخارج خلافا لما هو الحال في الداخل.. وتلك خطة اليهود للايحاء بسوء الحال والفقر حتى لا يعرف الآخرون بما في داخلها من أموال فيطمعوا بها.. وعندما قرروا الهجرة أقدم اليهود على بيع منازلهم ومحلاتهم الى اهالي المدينة الذين عملوا بالتدريج على هدم المنازل التي اشتروها من اليهود واعادوا بناءها بالاحجار والطوب المحروق.. ونتيجة لذلك فقد اختفت معظم معالم طابع البناء اليهودي في صنعاء القديمة ليصبح الطابع العربي الإسلامي هو السائد.
ولم يعد هناك سوى بعض المنازل القليلة جداً من تلك التي كانت تابعة لليهود اضافة الى معالم محدودة في القسم الذي كانوا يقطنون فيه من صنعاء، ومن ذلك ما يعرف بالسراديب العميقة التي كانت تستخدم للهرب والاحتماء وهي الآن على وشك ان تنتهي تماماً.. وهناك ايضا بعض النقوش والرسوم اليهودية والمغالق الخشبية الكبيرة على شكل النجمة السداسية التي تستخدم خلف أبواب المنازل وما تزال باقية حتى اليوم في صنعاء القديمة ومناطق يمنية أخرى.
واليهود اليمنيون الذين لم يهاجروا إلى إسرائيل أو غيرها وفضلوا البقاء في وطنهم الأصلي اليمن يتوزعون على مجموعات صغيرة في عدة مناطق يمنية، ومنها «ريدة» إلى الشمال من صنعاء وفيها أكبر تجمع لهم والذي يضم قرابة 300 نسمة.. والبقية يعيشون في مناطق «خارف، جبارة، أرحب، أملاح، حيدان إضافة إلى منطقة صعدة».
وهناك أسرتان تقريباً تعيشان في العاصمة صنعاء.
ويذكر أن من أشهر الأسر اليهودية في منطقة «ريدة» اليمنية أسرة «يعيش بن يحيى» التي يتجاوز عدد أفرادها الـ30 شخصاً.. وكذلك أسرة سعيد العماري وأسرة «جرادي».
صور من حياة اليهود في اليمن
ونجد ان أبناء الطائفة اليهودية في اليمن الذين لا يحبذون الهجرة يقومون بزيارات الى اقاربهم وبني جلدتهم في فلسطين عبر دول أخرى من حين لآخر بما في ذلك زياراتهم لليهود اليمنيين المهاجرين في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وفي منطقة «ريده» هناك ثلاثة مدرسين تخرجوا من أمريكا ويقومون بتدريس اللغة العبرية والتوراة لأبناء اليهود.. واحد هؤلاء المدرسين يدعى «فايز يحيى» ويقوم بتدريس الدين اليهودي في مدرسة ملحقة بالمنزل الذي يسكن فيه.. ويقول «فايز» وهو شاب انه سافر مرتين الى الولايات المتحدة لدراسة الدين على نفقة المنظمة الدينية اليهودية.. وبعد ان يتعلم أبناء يهود اليمن اللغة العبرية والتوراة يتم تسفيرهم الى الخارج لاكمال دراستهم وعادة ما يكون ذلك الى امريكا.
وهناك في قرية «خارف» القريبة من «ريده» تعيش إحدى الأسر اليهودية وهي أسرة «يعيش بن يحيى» وهو في العقد الثامن من عمره تقريباً، وأكبر أبنائه يبلغ من العمر 49 عاماً واسمه «حيم» ويعمل نجاراً.. ويقول «حيم» ان له ثلاث بنات مقيمات حالياً في امريكا، التي سافرن اليها للدراسة وذلك منذ عدة سنوات وكان عمر اصغرهن عند سفرهن سبعة أعوام والبنت الكبرى التي يفيد بأنها قد تزوجت كان عمرها عندما غادرت اليمن 12 عاماً.
ويضيف «حيم» بأنه سافر خمس مرات الى خارج اليمن.. وليس لديه رغبة حالياً في الهجرة الى امريكا أو إسرائيل.
ولدى «حيم» أخ يدعى «يحيى يعيش بن يحيى» وهو شاب ويعمل في ورشة ميكانيكية.. ويحيى هو الوحيد حتى الآن من أبناء الطائفة اليهودية في اليمن الذي تعلم في مدارس المسلمين.. حيث التحق بمدرسة «ابو الحسن الهمداني» ثم مدرسة الشهيد «فيصل القديمي» كما يروى اخوه «حيم».. وبعد ان وصل يحيى الى مرحلة الثانوية العامة تزوج ومن ثم ترك الدراسة واتجه للعمل.
ويعتبر والد «حيم» يعيش بن يحيى 76 عاماً رمزاً دينياً لليهود في منطقتي «ريده» و«خارف» حيث يطلقون عليه لقب «العيلوم» أي حاخام لأنه من وجهة نظرهم ملماً بالتوراة والزبور ومزامير داوود.. كما ان «العيلوم» عند يهود اليمن هو الذي يصلي بهم ويتولى وحده مهمة الذبح والختان وغيرها.
وبالتالي فان «يعيش بن يحيى» هو الشخص الذي لا يتم زواج ابناء طائفته اليهودية إلا به وكذلك الطلاق وختان الاطفال وكذلك الذبائح.. فمعتقد هؤلاء اليهود ان أية ذبيحة بالنسبة لهم محرمة اذا لم تُقطع «رقبتها» بسكين «العيلوم» وعلى يده، حتى ولو كانت هذه الذبيحة «دجاجة».
والى جانب ذلك يعتبر «يعيش بن يحيى» طبيب أعشاب مشهور.. ويقول انه يعالج الشخص الذي أصابته «عين» ومن بهم سحر وأشياء من هذا القبيل.. والى جانب اليهود هناك ايضا بعض المسلمين من أبناء القبائل اليمنية المجاورة يقصدون «يعيش» لطلب العلاج.
وعادة ما يفضل اليهود اليمنيون الأعمال الحرة، وينشطون بالتالي في مجالات التجارة والحدادة والأعمال الحرفية المختلفة، ويشتهرون ببعض المشغولات اليدوية ومنها تلك المصنوعة من الفضة..
وما تجدر الاشارة اليه هو ان ثمة بعض ابناء الطائفة اليهودية في اليمن يعتنقون الدين الإسلامي بين فترة وأخرى.. وقبل عامين تقريباً اسلمت يهوديتان احداهما تدعى صنعاء بنت يوسف وتزوجتا حينها باثنين من شباب المسلمين من أبناء القبائل القريبة من منطقة «ريده».
ولليهود في اليمن عاداتهم وتقاليدهم الخاصة.. فبالنسبة للزواج نجد ان تكاليف المهر وغيره من المتطلبات المتصلة بهذا الجانب تزيد في بعض الحالات عن ما هو موجود لدى غيرهم من أبناء المجتمع اليمني «المسلمين».. وتصل تكلفة الزواج عند اليهود احياناً الى مليون ريال يمني، أي ما يعادل 5800 دولار تقريباً.. أما اقل تكلفة فتصل كما حددها أبناء الطائفة اليهودية في منطقة «ريده» الى 550 ألف ريال.. منها 200 ألف مهر و200 ألف لما يُعرف بشرط العروسة و80 ألف «كسوة» و30 ألف لأم العروس ومثلها لخالها وعشرة آلاف ريال تسلم الى يد العروس مقابل ما يسمى «الحلوى».
وتقام حفلات الزفاف لدى أبناء الطائفة اليهودية لمدة سبعة أيام تبدأ بيوم الجمعة وفيه تدق الطبول للمحتفى بهما وتتوقف خلال يوم السبت وفي يوم الاحد تستأنف فعاليات الفرح بدق الطبل والمزمار صباحاً أمام منزل العريس وتدق الطبول فقط أمام منزل العروس..
وفي هذا اليوم ايضاً.. يجتمع أبناء المنطقة من اليهود وكذلك المسلمين في منزل العريس لمشاركته افراحه ويقدمون له الهدايا وما يعرف في اليمن ب«الرفد» وهو عبارة عن مبالغ مالية او مواد غذائية وغيرها بحسب امكانية كل شخص.. كما يتم ذبح الابقار او غيرها من المواشي للضيوف الذين يتناولون طعام «الغداء» مع العريس ثم يجلس الجميع لتناول القات حتى مساء يوم الاحد حيث يتم عمل «الحنا» للعريس.. وفي صباح يوم الاثنين يذهب العريس مع مجموعة من أقاربه واصدقائه الى منزل العروس وهناك يقوم «العيلوم» بعملية «عقد القران» بين العريس والعروس.. ويظل الضيوف وهم العريس واصحابه في منزل العروس حتى صباح يوم الثلاثاء حيث يتناولون وجبة الافطار ثم يصطحبون العروس ويقفلون عائدين الى منزل العريس ليستمر الاحتفال بعد ذلك حتى يوم الخميس.
ويقول أبناء الطائفة اليهودية في اليمن بأن تعدد الزوجات أمر تجيزه ديانتهم وتحدده بثلاث زوجات.. ويعلق احدهم ويدعى «ماشا» وهو مدرس بانه من الصعب على الشخص في الوقت الراهن ان يتزوج باكثر من امرأة واحدة بسبب تغير الظروف المعيشية.. ويضيف بان اليهودي اذا بلغ سن العشرين ولم يتزوج فقد استحق اللعنة.
ويمتنع يهود اليمن عن استقبال او مقابلة أي ضيف في يوم السبت من كل اسبوع كونه يوماً مقدساً بالنسبة لهم، كما لا يجوز العمل في هذا اليوم، حتى الطعام يعدونه يوم الجمعة ويحفظونه الى ما بعد صلاتهم يوم السبت الذي وحسب معتقدهم ان الرب استراح فيه.. ومن اعيادهم كذلك عيد الفصح الذي يربطونه حسب زعمهم بخروج بني اسرائيل من مصر.. ويستمر هذا العيد من مساء 14 ابريل حتى مساء 21 من نفس الشهر سنوياً وخلاله يقومون بغسل ملابسهم ومفروشات مساكنهم.. ولدى اليهود اليمنيين في «ريده» مكان خاص يصلون فيه ويسمى «الكنيس» وهو مبنى على شكل غرفة كبيرة الى حد ما.. حيث يجتمعون في هذا المكان للصلاة ثلاث مرات في اليوم، وتكون مواعيد المرة الأولى من طلوع الفجر حتى الساعة التاسعة صباحاً والثانية من وقت زوال الشمس حتى دخول الليل وبعد ذلك يبدأ موعد الصلاة الثالثة والذي يستمر حتى الفجر.. وهناك جزء من «الكنيس» مخصص كمكان للتطهر وغسل الموتى وغيره.. وهو عبارة عن حوض به ماء وله بابان، حيث يتم الدخول من أحدهما والاغتسال بالماء ثم الخروج من الباب الآخر.. أما العقاب والثواب في معتقدهم فهو في الدنيا فقط، والعقاب هو الخسران والذل والثواب فيتمثل بالنجاح والنصر.
وحيث يقول اليهود اليمنيون انهم راضون عن اوضاعهم المعيشية في ظل الحرية التي منحهم إياها الرئيس علي عبدالله صالح.. فهم يؤكدون كذلك ان الدولة تتعامل معهم بنفس تعاملها مع عامة الشعب اليمني، بل يشعرون احياناً بأن سلطات الدولة تتعامل معهم في بعض الأمور بشكل افضل من تعاملها مع باقي القبائل.
وكما يشير «حيم يعيش بن يحيى» فإن علاقاتهم مع المسلمين من أبناء القبائل جيدة وممتازة وهناك تعاون وتواصل مستمر فيما بينهم، وان القبيلة تجمعهم والديانة لا تفرقهم.
مضيفاً بأنهم أي اليهود يحتكمون الى الاعراف القبلية في حل قضاياهم ومشاكلهم سواء اكانت بين أبناء الطائفة او بينهم وبين غيرهم من ابناء القبائل «المسلمين».. ويتم اللجوء في هذه الأمور الى الشيخ مجاهد ابو شوارب لحلها..والكل يلتزم بما تجمع عليه القبيلة.. ويقول «يعيش» الشيخ مجاهد ابو شوارب هو شيخنا وهو الوحيد الذي ينفعنا عند الدولة والقبيلة.. والى جانب الاعراف القبلية هناك بعض المشاكل التي يتم حلها عبر سلطات الدولة بحسب الظروف.
ويعتبر أبناء الطائفة اليهودية في اليمن انه ليس من العدل ان ينظر الناس الى اليهود برؤية واحدة ومقياس واحد.. ويقولون ان هناك اختلافا بين اليهود وطبائعهم وسلوكياتهم كما هو الحال بالنسبة لغيرهم ممن يعتنقون الديانات الأخرى.
قبر الشبزي
وفي سياق الروايات التي تتحدث عن تاريخ الديانة اليهودية في اليمن، حيث لم يتم حتى الآن العثور بين الآثار اليمنية القديمة والمخطوطات المكتشفة المعروفة بكتابات «المسند» وهو الخط الذي يعود الى عصور الممالك السبئية ما يشير الى تاريخ دخول الدين اليهودي الى اليمن.. فبعض الروايات تفيد بأن ذلك كان في عهد «بلقيس» ملكة سبا التي حكمت اليمن في القرن العاشر قبل الميلاد والبعض الآخر من هذه الروايات تقول ان الوجود اليهودي يعود الى ما قبل هذا التاريخ، ومصادر أخرى تفيد بأنه جاء في وقت متأخر.
ولعل ما تبقى من المعالم المشهورة لليهود حتى الآن في اليمن هو قبر في مدينة «تعز» الى الجنوب من صنعاء، ويقال ان هذا القبر يعود لشاعر يهودي اسمه «موري شالوم شابازي» او كما يطلق عليه أهل اليمن حالياً «الشبزي».
وكان «الشبزي» الذي تفيد المراجع انه قدم الى اليمن من بلاد المغرب العربي رجل دين وعالم وحاخام، بحيث اعتبره يهود اليمن في مقام القديسين.
ويقول المستشرق «سينجر» ان الشبزي كان قد تولى اقناع الإمام المهدي أحمد بن الحسين بالعفو عن يهود «صنعاء» واعادتهم اليها في عام 1681م بعد ان كان قد أمر باجلائهم الى منطقة «موزع» القريبة من «المخاء» بمحافظة تعز.
وبعد وفاته اصبح قبر «الشبزي» مزاراً ومكاناً مقدساً يحج اليه يهود اليمن حتى الآن، ولم يعد من القبر سوى أحد الجدران بعدما غطت الرمال بقية أجزائه.. ويوجد بالقرب من قبر «الشبزي» ينبوع مياه.. يعالج فيها يهود اليمن اطفالهم من الأمراض، حيث يعتقدون ان هذه المياه تشفي الطفل من أي مرض او هزال او ضعف في جسمه وذلك من خلال غسله بها.. كما ان بعض المسلمين كانوا ايضاً يعتقدون بهذه المياه.
الى ذلك بدأت في الآونة الاخيرة تتردد احاديث حول هجرة مضادة ليهود امريكيين من اصول يمنية قرروا العودة الى جذورهم لغرض الاستثمار وبالذات في المنطقة الحرة بعدن.. وكما تقول مصادر إعلامية محلية فان عدداً من اليهود اليمنيين المهاجرين يسعون لإعادة شراء ممتلكاتهم التي سبق وان باعوها في صنعاء ومناطق يمنية أخرى وذلك لغرض تحويلها الى مزارات سياحية.
وكانت بعض الشخصيات اليهودية من اصل يمني والموجودة في اسرائيل قد قامت بعدة زيارات الى اليمن بجوازات سفر امريكية خلال العامين الماضيين.. وقد أثار ذلك ضجة واسعة مما دفع السلطات اليمنية الى وقف السماح لهؤلاء اليهود بدخول اراضيها.
يذكر ان اليهود الموجودين حالياً في اليمن يستخدمون جوازات سفرهم عند القيام بزيارات الى اسرائيل لانهم وفي حالة وجود تأشيرات اسرائيلية على جوازاتهم اليمنية يمنعون من دخول البلاد.. ومن ثم فهم يستخدمون وثائق خاصة للدخول الى اسرائيل يحصلون عليها من أمريكا ودول أوروبية.
|