Thursday 13th June,200210850العددالخميس 2 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

احتراق العباقرة احتراق العباقرة
عبدالله بن ثاني

الساديون وحدهم يؤمنون بقتل الثيران بعد حقنها بمخدر، ويغرسون سيوفهم في جوفها بطريقة بهلوانية تأتي من الأعلى مخترقة قلب ذلك الحيوان الصابر في تلك الساحة التي لا تتعدى أن تكون ساحة للإعدام، فيخرج الدم من فمه شاهداً على حيوانية الإنسان وإنسانية الحيوان، متجاهلين كل الخدمات الجليلة التي قدمها ذلك الثور في المزرعة وغيرها ذات يوم .. ليحصلوا في النهاية على أوسمة الشجاعة والإقدام في ظل تصفيق غوغائي احتفاء بنهاية روح بريئة في مشهد مؤذٍ للمشاعر السليمة..
ويزعمون أن ذلك من الموروث المقدس، ولم يدركوا أنهم أنهوا زمن الصيد على أنقاض فروسيتهم المزيفة ..
ومثلهم أولئك المحيطون بحلبة صغيرة يجتمع فيها ديكان، اجتمع حولهما كل شيء إلا الرحمة والإنصاف، ليشهدوا في النهاية انتصار ديكٍ على ديكٍ مقتول، متجاهلين أن هذه الأرواح الضعيفة تمارس طقوساً محزنة في محراب الموت إذ الديك يقفز مراراً وتكراراً بعد قطع رأسه وكأنه يحتج على نهايته بهذه الطريقة التي نسيت صوته الجميل وحركاته المثيرة وعنفوانه وألوانه المزركشة .. ونسيت أنه يصيح إذا رأى ملكاً .. ليذكر الغافلين بوحدانية الله لا يختلفون عن أولئك أيضا، الذين يتقاذفون بالطماطم أمام محطات التلفزة التي تحلق حولها الجائعون فلي مشهد مؤثر لا يستطيعون أثناءه الحصول على الرغيف لسد رمق جوعهم ولا الحليب لسد صراخ أطفالهم ..
ما هذا الالتهاب السادي الذي أصاب العقل البشري في سحاياه عندما يحارب العباقرة في فكرهم ويحارب الناس في أمنهم، ويطمس إبداعهم بحجة أنهم وحدهم يفهمون المقاصد، وأنهم وحدهم يستحقون السيطرة والوصاية وكأنهم يريدون من البروفسور إيجنون كينر الذي وعد العالم من خلال تجاربه أن يساعد في ولادة دجاج بلا ريش تخلصاً من عقدة الأجنحة أن يساعدهم في ولادة بشر بلا أطراف ليتحول الإنسان إلى حيوان زاحف يؤمن بالبلع ..
ولو كان لهم من الأمر شيء لحاكموا عباس بن فرناس في محكمة تفتيش على الطريقة الإسبانية، لأنه حلق بأجنحته، ولم تؤثر فيه قوة الجاذبية الأرضية، ولم يغفروا له تلك اللحظات التي أعطى البشرية من خلالها أملاً في تجاوز جاذبية الأرض حتى وإن سقط بعدها في مقبرته إلى يوم يبعثون، وغفروا للأسف تحويل هذه المهمة الشريفة إلى مهمة القضاء على النوع الروحي في هذا الكوكب عندما استخدموا الطائرات في حروبهم وتدميرهم الأرض حتى إنهم بلغوا الذروة عندما حلقوا بطائراتهم القاذفة من أقاصي الأرض ليمطروا مدينتي نجازاكي وهيروشيما بالقنابل النووية بحجة السيطرة وحب الانتصار ..
ولو كان لهم من الأمر شيء لحاكموا ديدالوس الإغريقي الذي طار بجناحين من شمع، ولم يغفروا له ذلك حتى وإن سقط في مقبرته بعد أن ذاب جناحا الشمع بعد طلوع الشمس بقليل.
يحاكمون ويُصنّفون ، ويحاولون سبر أغوار النية ليصلوا في النهاية إلى شيء هم يريدونه وكأنهم في تتبعهم وحرصهم على اكتشاف الفيروس كما يزعمون سهم ذلك الأعرابي الذي حكى قصته المبرد في الكامل تحت باب أكاذيب الأعراب قائلا: «تكاذب أعرابيان، فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي، فإذا أنا بظلمة شديدة، فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل عليها بفرسي حتى انبهتها، فانجابت. فقال الآخر: لقد رميت ظبياً مرة بسهم فعدل الظبي يمنة، فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، ثم انحدر فانحدر حتى أخذه».
وهذا حال من يجهد نفسه في تتبع زلات الناس وتصيد أخطائهم حتى العلماء لم يسلموا من سهام على طريقة «تكاذب أعرابيان».
يشترك العالم أجمع في إيمانه باحتراق العباقرة، فهؤلاء العرب وجهوا سهامهم ونقدهم لشاعرهم الأكبر «المتنبي» حتى ألّفوا فيه كتباً ورسائل تتهمه بالسرقة، والسخف، وهو بريء، ولكن الفرق بيننا وبين الشعوب الأخرى أن الشعوب قد تجاوزت هذه المرحلة «مرحلة الجرادة التي عينها بجانبها» والتي كانت سائدة في العصور الوسطى عندما كانت الكنيسة تحرق علماءها ومفكريها لمجرد التفكير والاختراع مثلما حدث للشاعر الكبير «بو شكين» عندما خطط أعداؤه لإسقاطه، وتم لهم ذلك في شتاء عام 1835م، وبعلم القيصر الروسي وتشجيعه في قصة غريبة تتلخص في أن مهاجرا فرنسياً هرب إلى روسيا من وجه الثورة الفرنسية، وتعمد مغازلة زوجة الشاعر بوقاحة مما اضطر الشاعر إلى مبارزته، فأصيب الشاعر إصابة مميتة، وتوفي في العاشر من شباط عام 1837م.
لقد اهتزت المدينة لقتل شاعرها الكبير مما اضطر الحكومة إلى نقله ليلاً ودفنه في كنيسة خارج المدينة سراً، ورثاه الشاعر «ليرمومنتوف» بقصيدة عنوانها «موت شاعر» وكان جزاؤه الإبعاد والنفي.
نعم لقد صدقت يا سيمون دوبوفوار في قولك: «هناك نساء يعلقن أهمية بالغة على جمالهنّ، وعندما يخسرنه يخسرن كل شيء، وهناك في المقابل نساء يعشن كما هن، نساء بدون عمر، نساء شباب في أجساد عجائز .. والمهمة الكبرى أن يحتفظن بجمالهن ولو بالطريقة السادية في تشويه جمال الآخرين.
وصدقت يا أبا الطيب:


ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة، في الشقاوة ينعم

إن تحطيم العباقرة المنتسبين إلى وادي عبقر، وهو موضع كانت العرب تزعم أنه كثير الجنّ، لأنهم يأتون بشيء غير مألوف ولذلك استحقوا في نظر الساديين أن يقذفوا بالحجارة وكأنهم الشجرة المثمرة التي قال عنها جبران خليل جبران «الشجرة المثمرة وحدها يهزها الناس ويضربونها بالحجار».
ولا أدل على ذلك من قصة موت الفيلسوف سقراط الذي مات محكوماً عليه بالإعدام، وكان الذي قدّمه للمحاكمة رجل من أغنياء أثينا لما ضاق بعلم سقراط وشهرته وعبقريته، فواجه اتهاماً سادياً انتهى بمعركة فكرية أدت إلى نهاية سقراط حتى قال برنا ردشو: إن إثبات سقراط لفكرته كان هلاكاً له».
ومثله البطلة «جان دارك» التي حوكمت وأحرقت بعد أن قادت فرنسا إلى النصر وتخليصها من الاستعمار الإنجليزي، وتهمتها الوحيدة عبقريتها في حب الوطن، تلك الصفة التي تجاوزت بها رجال السياسة، ولمّا تم الوفاق بين إنجلترا وفرنسا قدموها للمحاكمة وانتهى الحكم بإحراقها حيّة أمام الفرنسيين إرضاء للإنجليز، ونسوا نضالها من أجلهم.
إن الأمر يصبح صعباً عندما تكون الحياة هي الثمن على الطريقة السادية، لأنها فشلت في خلق الإبداع، فقط نجحت في خلق ضوضاء حولها وكأنها الرحى التي تسمعك جعجعة ولا ترى طحيناً .. ولا تقل درجة عن أهوال سجن الباستيل الذي هدم عام 1789م في بداية الثورة الفرنسية يوم «14» تموز، ولم يكن فيه تعذيب كما يتصوره الآخرون، بل إن عدد السجناء فيه لا يتجاوز عددهم سبعة فقط ولم يكن بينهم سجين سياسي.
إن المرونة تساعدنا في بلوغ تمنياتنا النهائية لبناء مستقبل في صورة أفضل يؤمن بخلق النجاح وصنع الفضيلة، وإعادة تشكيل لوحة الأرض بعيداً عن ذلك اللون الرمادي الذي رسم به بيكاسو لوحة جيرنيكا عندما دمرتها الطائرات الألمانية عام 1937م.
فمتى يتحرر العالم من الرعب النووي، ومتى يدرك الساديون أنهم شاهدون على أنفسهم بالقساوة والفشل وكأنهم في توقيعهم معاهدات خفض الأسلحة ذلك الصياد الذي يخدع زوجته وأطفاله عندما تبقى شبكته خاوية حتى الغروب، ثم يعود إلى بيته ويشتري لهم سمكاً من السوق، ويكذب عليهم بأنه اصطاده ويحكي لهم مغامراته مع أسماك القرش والحيتان الزرقاء..
ما دامت الأسلحة النووية في مخازنها تنتظر لحظة مجنونة سادية.
ولم يكتفوا بذلك، بل قلبوا المنطق في صورة قمعية في إطلاقهم على شارون رجل سلام، وقبل ذلك منحوا بيريز جائزة نوبل للسلام .. هل يريدون من هذا الكوكب أن يتوقف عن الدوران، وأن تتحول لغته إلى مغنية صلعاء كما تخيلها يوجين يونسكو ، فإلى متى الحراس نائمون والثعالب عاثت بعناقيد البستان خراباً.
ما هذا الإرهاب الذي تجاوز مرحلة تخويف الأطفال بالسعلاة والأشباح والسياط المدرسية إلى مرحلة حرمان الشيخوخة من الحصول على عكاز وملجأ آمن .. ثم الحصول على قبر في هذا الكوكب الذي شوّه الساديون ترابه بالعسكرتاريا والنفايات النووية كما تشوهت صدورهم بالأوسمة والنياشين الشاهدة على انتصارات لم تخضها تلك الجنرالات، وليس لهم منها «علامة ظفر كما قال شوقي في قصيدته المشهورة عن معركة «إكيتوم».
ما هذه الفلسفة القائمة على التعسف والتشنج في إدارة هذا العالم، ومطاردة العباقرة لضبطهم متلبسين بجريمة العقل والإبداع والسلام ..
وربما الاختلاف الوحيد الذي يشعر به العرب أنهم يعيرون عباقرتهم بأنهم كانوا فقراء أو أن آباءهم كانوا عمالاً في يوم ما أو أن أمهاتهم كانت خدماً في بيت ما .. قبل قراءة فرمان الإعدام، إذ يحسدونهم على الموت الهادئ
إن يحسدوني على موتي فوا أسفي
حتى على الموت لا أخلو من الحَسَدِ
كل ذلك صدى لخواء نفسي يؤمن بالميكافيلية في تغليب الغايات على الوسائل، ومحاربة الآخرين تحت مبادئ الشرف والمصلحة والأمر في النهاية لا يتعدى أن يكون محاولة لإقصاء الآخر وتهميشه وتقزيمه لكي يبدو الساديون أطول منه في طريقة متطرفة تختصر الأرض في الشخصيات والمسميات الوظيفية.
والله من وراء القصد
(*) الإمارات العربية رأس الخيمة

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved