Thursday 13th June,200210850العددالخميس 2 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

لهذا لا نعرف كيف نختلف!! لهذا لا نعرف كيف نختلف!!
د. محمد أبو بكر حميد

لماذا يؤدي الخلاف مع الزوجة إلى «الطلاق» ومع المدير إلى «الفصل»، ومع الصديق إلى «القطيعة» أو «العداء»؟!
لا أدري لماذا لا نعرف كيف نختلف في عالمنا العربي والإسلامي على مستوى الأفراد أو الدول؟! فسرعان ما يتحول خلاف الرأي إلى عداء، وتنقلب المحاسن إلى عيوب، ولا نترك نقيصة إلا ونلصقها بمن اختلفنا معه إن لم تكفنا عيوبه التي نقوم بإحصائها، وقد كنا من قبل نثني عليه ونعدِّد محاسنه!!
تضيق صدورنا بالنقد وكأننا قد بلغنا الكمال، ولا نستطيع تقبّل النصح برحابة صدر وإن تظاهرنا بذلك، ورأيُنا في أنفسنا لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه!!
لهذا يجب ألا نعجب عندما نجد أن عالمنا العربي والإسلامي يحتوي على أكبر عدد من المنافقين في العالم!! ذلك لأن الحقيقة كاملة مؤلمة، وأشطرنا الذي يتجرَّع نصف الحقيقة كما يتجرع العلقم. فعلى مستوى الأسرة لا تستطيع «الزوجة» أن تعبر عن رأي يختلف مع «رب الأسرة»، وقد ينشب خلاف قد يؤدي إلى الطلاق لأن بعض الأزواج يعتقدون أن إدلاء الزوجة برأي يختلف مع آرائهم إساءة بالغة لرجولتهم وعظمتهم! والابن ينشأ لا يعرف كيف يعبر عن رأيه ويشرح وجهة نظره لأن الأب أو المدرس لا يسمح له بذلك.. «قلة أدب»! وإذا تجرأ تعرض للضرب أو الإهانة! والموظف يخاف أن يبوح ب«الحق» لرئيسه ويتفق دائما معه في الرأي خوفاً من أن يخسر وظيفته!.
أما على مستوى الصداقة والعلاقات الاجتماعية فكل الذين يختلفون معنا في الرأي أو الذوق فسرعان ما نخسرهم ونستبعدهم من قائمة الأصدقاء أو نحولهم مباشرة إلى أعداء، ونكيل لهم بدلاً من الصاع صاعين! وما أكثر ما نخسر من الأهل والأقارب والأباعد لأسباب لها صلة بالرأي الآخر.
أما الدول فحدث ولا حرج فسرعان ما يتحول الخلاف إلى قطع علاقات دبلوماسية، وحرب إعلامية كلامية قد تتطور إلى حرب بالسلاح، وما أكثر ما حدث هذا في تاريخنا العربي المعاصر!
والدليل على أننا بالفعل لا نعرف كيف نختلف ما نجده في الساحة الأدبية والثقافية عموماً عندما ينشب خلاف في الرأي بين من نسميهم بالمثقفين نجد الخلاف يخرج عن مساره ويتحول من مناقشة قضية الخلاف إلى قذف شخصي وسباب واستعراض للعضلات المعلوماتية ونيل من الآخر وتعريته بكل الطرق.
وأتمنى أن يدرس أحد طلابنا في الجامعات تاريخ المعارك الأدبية أو الثقافية التي شهدتها الصحافة العربية في مختلف البلاد العربية فإنه سيجد أن معظمها يتكئ على النيل أخلاقيا وعلمياً وشخصياً من الطرف الآخر أكثر من اتكائه على الموضوعية والإنصاف والعدل.
ورغم أننا «مسلمون» منذ أكثر من 1400 سنة إلا أننا لا نزال «متعصبون» نمارس عصبيتنا على مستويات مختلفة لعل العصبية القبلية أخف أنواعها فأخطر أنواع العصبية اليوم هي العصبية الفكرية والثقافية، فنحن نتعصب للعالِم الفلاني وللمفكِّر الفلاني وللشاعر الفلاني وللكاتب الفلاني وكأنهم قد نزلوا أطهاراً من السماء لا يخطئون، فتجعلهم فوق مستوى النقد، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يبدي فيهم رأيا، أو يقدم لهم نصحاً، فسرعان ما يتعاوره محبو هذا الشيخ أو الشاعر أو الكاتب بسيوفهم البتارة وكلماتهم الحادة وهجماتهم اللازعة وكأنه قد مس آية من كتاب الله أو كفر والصحف اليومية تشهد بالكثير من هذا النوع من المعارك العصبية، بالرغم من قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من دعا إلى عصبية..».
يعجب المرء لهذا كله أن يكون اليوم في أمة قال نبيها صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» بمعنى أن الأخلاق الكريمة أصيلة فيها وليست مكتسبة بعد الإسلام، وإنما جاء الإسلام ليعذب هذه الأخلاق ويضيف إليها ويرتقي بها، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً لخلق الإنسان العربي قبل البعثة، ونموذجاً لخلق الإنسان المسلم بعد البعثة، لهذا قال الله تعالى: {لّكٍمً فٌي رّسٍولٌ پلَّهٌ أٍسًوّةِ حّسّنّةِ}، فكان صلى الله عليه وسلم من أوسع الناس صدراً لمن يختلف معه، وأحلمهم على من يثير غضبه، وكان أكثر خلق الله تسامحاً مع من يسيء إليه، وأعفهم لساناً، وألينهم قولاً، وأقلهم جدلاً. ما غضب يوما قط لنفسه، أو استكبر أن يختلف معه أحد من المسلمين أو المشركين وهو رسول الله يوحى إليه من السماء!
ومع ذلك فقد عاتبه ربه في بعض المواقف ليعلمه ويتعلم من بعده قومه، لهذا كان «القرآن» أعظم كتاب يشتمل على أسس التربية وقواعد السلوك وآداب المعاملات من خلال توجيهات رب العالمين لنبيه صلى الله عليه وسلم، فهناك الأمر بالعدل مع الآخر سواء كان عدواً أو صديقاً، وأن عيوب الآخر يجب أن لا تحول بيننا وبين إنصافه {وّلا يّجًرٌمّنَّكٍمً شّنّآنٍ قّوًمُ عّلّى" أّلاَّ تّعًدٌلٍوا} [المائدة: 8] .
ويحدد القرآن الكريم «استراتيجية» الحوار في خطاب الله لنبيه {\دًفّعً بٌالَّتٌي هٌيّ أّحًسّنٍ فّإذّا پَّذٌي بّيًنّكّ وّبّيًنّهٍ عّدّاوّةِ كّأّنَّهٍ وّلٌيَِ حّمٌيمِ} [فصلت: 34] ثم يقرر أحكم الحاكمين نتيجة مخالفة تلك «الاستراتيجية» فيقول لنبيه: {وّلّوً كٍنتّ فّظَْا غّلٌيظّ پًقّلًبٌ لانفّضٍَوا مٌنً حّوًلٌكّ فّاعًفٍ عّنًهٍمً وّاسًتّغًفٌرً لّهٍمً وّشّاوٌرًهٍمً فٌي الأّمًرٌ..} [آل عمران: 159] وقد وقفت طويلاً أمام هذه الآية متأملاً حكمة رب العالمين لأن فيها «فرمنية» إن تعامل معهم بغلظة، وفيها «نتيجة» وهي إنه سيخسرهم وفيها «أمر» أن يعفو عنهم إن أخطأوا في حقه ويحتملهم، وأن يستغفر لهم إن أذنبوا.
ولايتوقف التوجيه الرباني عند هذا الحد بل عليه أن يشاورهم وأن يستمع إلى رأيهم إن أراد أن يتخذ قراراً، فكونه نبياً لا يخوله أن يتخذ قراراً دونهم إلا إذا كان الأمر مباشراً من رب العالمين، ثم تأتي نهاية «نتيجة» أخرى لمسألة الشورى {فّإذّا عّزّمًتّ فّتّوّكَّلً عّلّى پلَّهٌ إنَّ پلَّهّ يٍحٌبٍَ پًمٍتّوّكٌَلٌينّ} .
والحقيقة أننا إذا عدنا لكتابنا المنزل من رب العالمين سنجده الكتاب الوحيد في هذا الكون الذي حفظ لأعدائه كلامهم، ضده وافتراءهم عليه دون تحريف أو تبديل أو تخفيف ثم رد عليهم بموضوعية، فتاريخ الحوار والجدال الذي دار بين الأنبياء والذين كفروا بهم من آدم عليه السلام إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه وتوجيهات رب العالمين لهؤلاء الأنبياء من أساليب التعامل وإدارة الحوار مدونة جميعاً في القرآن الكريم الذي يتلوه المسلمون ليل نهار، فنحن نقرأ {وّقّالٍوا لّن يّدًخٍلّ پًجّنَّةّ إلاَّ مّن كّانّ هٍودْا أّوً نّصّارّى"} [البقرة: 111] {وّقّالٍوا \تَّخّذّ پلَّهٍ وّلّدْا..} [البقرة: 116] و { قّالٍوا أّنَّى" يّكٍونٍ لّهٍ پًمٍلًكٍ عّلّيًنّا وّنّحًنٍ أّحّقٍَ بٌالًمٍلًكٌ مٌنًهٍ..} [البقرة: 247] و {قّالٍوا إنَّ پلَّهّ فّقٌيرِ وّنّحًنٍ أّغًنٌيّاءٍ} [آل عمران: 181] وغيرها من عشرات الآيات التي تسجل بإنصاف «الرأي الآخر»، والحوار مع اليهود والنصارى ثم كفار قريش والمنافقين بشكل يسقط كل دعاوى الذين يزعمون أن الديمقراطية وحرية الرأي وأدب الحوار مع الآخر بدأ في الغرب ولا يوجد إلا في الغرب وحضارته وتاريخه الحديث الولادة!
إن أمة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، ولها هذا التاريخ العريق في مكارم الأخلاق، واحترام الرأي الآخر، وبين يديها هذا الكتاب السماوي الخالد الذي حوى كل خير الدنيا والآخرة الأولى بها أن تكون قدوة الأمم في أدب الحوار والاختلاف واحترام الآخر والتعامل بإنصاف حتى مع العدو لنستحق عن جدارة قوله تعالى: {وّكّذّلٌكّ جّعّلًنّاكٍمً أٍمَّةْ وّسّطْا لٌَتّكٍونٍوا شٍهّدّّاءّّ عّلّى پنَّاسٌ وّيّكٍونّ پرَّسٍولٍ عّلّيًكٍمً شّهٌيدْا} [البقرة: 143] .

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved