Thursday 13th June,200210850العددالخميس 2 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

أجنحة الكلام أجنحة الكلام
من يفك ر لنا ..!؟
ريمة الخميس

الفراغ ليس عدماً مطلقاً، ولكنه وجود يؤكد كل ما هو نقيض له، فمسافات الفراغ بين الكلمات في الكتابة هي التي تحدد لكل كلمة بدايتها ونهايتها، لتعطي للكتابة في النهاية وجودها المميز، والفراغ الهائل المحيط بكتلة نصبٍ أو مجسم له أهميته المعادلة لأهمية الكتلة، فلو صُبت في ذلك الفراغ من كل جانب مادة كالجبس اختفى النصب كلية، ووقت الفراغ هو المحدد لوقت العمل وهكذا..، ولكن الغريب في أمر ذلك الوقت للفراغ أن القدماء قد أولوه أهمية أشد من سواه، عن أي فراغ كان يتحدث هؤلاء وحياتهم كلها وقت ممتد للفراغ متبوعاً بفراغ؟! بل إن أبرز الأعمال التي أنتجها القدماء كانت «منحة وهبة» من الفراغ، كل أطروحات فيلسوف مثل سقراط، الذي يعتبر «أبو الفلاسفة» -والأمي الذي لم يكتب حرفاً- قد تشكل من تأملاته وقت مطول للفراغ امتد ليشمل اليوم بكامله، ومنجزات علماء الطبيعة القدماء بكاملها وليدة تأمل في أوقات الفراغ لم تتدخل في تشكلها أو صياغتها دراسة أو معرفة تعليمية، ونظريات أرشميدس وفيثاغورث وغيرهما، وشعر العرب القديم الذي شكل حركة شعرية لم تشهد الحياة بعدها أي قدر نسبي منها (كالعشر أو الخمس) في زمن ملأه التعليم والتخطيط ووضع الخطط والسياسات والبرامج وغيرها.
وفرت الحياة العصرية الحديثة قدراً هائلاً من الوقت للإنسان بعد أن أزاحت الآلة يديه عن كل الأعمال اليدوية التي كانت تستنفذ كل وقته، واختزلت له وسائل المواصلات والاتصال زمناً مخيفاً كان يبدده في السفر، وقللت الكهرباء ساعات النوم، ومنحت النظم الحديثة في إدارة العمل له ربع وقت العمل اليومي بتخفيض ساعاته، وثلث الأسبوع إجازة للراحة، وداخلت حياتنا رغبات الاستعانة بالمساعدين والسائقين والخدم ليقوموا بباقي الأعمال الشخصية نيابة عنا، ومن ثم أصبح القسط الأعظم من وقتنا اليومي (ثلاثة أرباع اليوم تقريباً) داخلاً ضمن نطاق «الوقت الأهم» وقت الفراغ، حتى قاربت حياتنا العصرية الحديثة حياة الأقدمين في مساحات الفراغ، وامتازت عليها في أسباب الراحة، فما الذي انتجناه في هذا الوقت المطول للفراغ؟.
رواة الشعر العربي قديماً كانوا يملأون جزءاً من فراغ وقت اللاهين والساهرين بحثاً عن أشكال الترويح، والجائلين في أسواق الأدب، والجالسين والمسافرين، وتناولت يقظة الدماغ العربي لدى السامع (شحذ اعتماد الشعر قديماً على الرواية في رأس العربي قدرته على التأمل والتركيز والحفظ) ما تطرحه القصيدة على صعيدي الشكل والمضمون، وأسست من تأملاتها فيها لنفسها الرؤى النقدية، فنظريات النقد للآخرين، فالكتب والأسفار..، ولكن حياتنا العصرية الحديثة قد أسقطت رواية الشعر لتحفظه المجموعات المطبوعة نيابة عن الذاكرة، وأراحت النقاد من أن يُبح صوتهم في الشرح والتحليل والتبرير والتعليل لتقوم المطابع بالمهمة، بل وجنبتهم الاشتباك في النقاش والاختصام وجهاً لوجه فلا يكون أمامهم من يرد لهم كلمة أو ينقض فكرة إلا بينه وبين نفسه في السر الإجباري...!.
هذه الوضعية الجديدة قد حولت فاعلية التأمل من الشفهية إلى التحريرية، أعني من تلك الأوقات للفراغ التي كانت تنفتح فيها كل الحواس بكامل طاقاتها، ويصفو الدماغ بكل مواهبه وإمكاناته على الربط والتحليل والاستنتاج، إلى ذلك الوقت الملول للقراءة، حيث تتكفل العين وحدها بالمهمة، تجري على السطور لا الكلمات وتهمل أشكال الحروف لحساب الفراغات بين الكلمات والسطور، وتتقافز فوق أسطح الصفحات دون اكتراث لعجزها عن ملاحقة الأصابع في تقليبها العشوائي، ليتسنى المرء كل شيء حين يطوي الكتاب. مع كل ذلك فتلك العلاقة العجولة بالكتاب قد كانت في نعمة امتلكناها في أيام غابرة، قد ضيعتها منا ومن الكتاب زحمة الفضائيات وعالمها الزاخر بالضجيج والتفاهة!. حقيقة إنسان هذا العصر الحديث لم يعد بحاجة إلى آلة تريح يديه أو مساعدين يصونون وقته، وإنما نحن جميعاً - لكي ننتج شيئاً له أي أهمية- بحاجة إلى «من يتأمل لنا بالنيابة عنا!!.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved