Thursday 13th June,200210850العددالخميس 2 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

قصة قصيرة قصة قصيرة
مثل ظلٍّ «يتلاشى»!!
تركي بن إبراهيم الماضي

نحن لا نختار من نحبهم؟!
هذا المساء كئيب مثل مساءات أخرى،اجتّر احزاني كل ليلة ولا أتعب، وهذا القلب لم ينس من رمى به في غياهب النسيان!.
في غرفتي وفواضى الحواس تحيط بي من كل جهة، احاول ان اكتب شيئا يقاوم النسيان فلا استطيع، ابحث عن قصيدة شاردة لعمر ابو ريشة تشعل جذوة الشوق بقلبي، اتدارك عمري وانا التقط الديوان من اعلى الرف، امسح الغبار الذي التحفه منذ سنوات، هذا الديوان له ذكرى، أليست حياتنا مجرد محطات للذكرى؟؟! اتصفح الديوان.. اتوقف عند اهدائها الذي لم افهم مغزاه، وكنت اضحك عندما قلت لها لحظتها: ماذا يعني؟!.. قالت ببرود لم استوعبه: ستفهم لاحقاً!!.
اقرأ الاهداء مرة اخرى:« الى نفسي التي احب واكره»!! اضحك مرة اخرى، ولكنه ضحك لغبائي المدهش، كيف لم افهم ان هذه المرأة كانت تعني ما تكتب، وانني كنت القارئ الذي لا يفهم ما يقرأ!!.
اتصفح الديوان بيدي العاريتين واتصبب عرقاً.. وفي الخارج المطر ينهمر غزيراً.. «اتعلمين اي حزن يبعث المطر» قالها بدر شاكر السياب.. ورحل.. ولم تفهم امة بأكملها حزنه.. فما بالي احزن على غبائي؟ ومابال الشعراء يتجمعون حولي هذه الليلة.. أكل الشعراء عاشقون حيارى مثلي؟!.
الكتاب بين يدي.. لا اجرؤ على قراءته.. ومالذي يجعلني اقرأه بعد تلك السنين.. أليس الشوق وحده هو الذي ارقني هذا المساء.. وكل المساءات السابقة.. ألست من يبحث عن سرّ لهذه المرأة الغامضة التي دخلت حياتي مثلما خرجت منها بهدوء وسكينة مثل الحلم الهادئ!.
الكتاب لايزال بين قلبي وعقلي.. اتساءل مالذي سأجده عند عمر أبو ريشة ولم اجده في الشعراء الآخرين بحثاً عن سؤالي المر: لماذا رحلت دون ان تقول حتى وداعا؟.. ربما لدى ابو ريشة اجابة مسبقة، فهذه المرأة لم تهدني هذا الديوان عبثا كما لم تكتب لي اهداءها عبثا!.
بينما انا غارق في حيرتي.. اذ بالهاتف يرن.. ربما شاعر آخر يريد المشاركة في احتفال هذا المساء:
- نعم..
- كيف حالك.
- نفسي حالي منذ رحلت هي.
- دعنا منها.. ماذا عن احوالك؟
- انني بصحبة عمر ابو ريشة هذه الليلة.
- لا تقل لي انك بصحبة قصيدته الشهيرة؟!
اتوقف عن الاستمرار في الحديث برهة من الزمن كأنها سنوات.. ما بال هذا الغباء يحتل كياني.. كيف لم اتذكر القصيدة.. اعود الي صديقي مرة اخرى وبسرعة انهي المكالمة.. لم اسمع كلمات غضبه.. فقد اقفلت الهاتف وعدت الى غيبوبتي.. تلقفت الديوان من جديد بحثا عن القصيدة.. كنت اعرفها جيداً.. فما بالي اذن كمن يبحث عن ابرة في قاع البحر؟!.. اعيد ترتيب نفسي من جديد.. اقرأ الديوان ببطء شديد.. يتعب قلبي المهزوم منذ البداية.. بعد لعبة الاعصاب هذه..اجد القصيدة اخيراً.. رميت الديوان بعيداً في اقصى الغرفة.. وبدأت اتخيّل او هكذا خيّل إلي.. عمر ابو ريشة واقفاً بكبرياء العاشق المنكسر!! يردد انهزامه مع ذاته وهو يقول:
قالت مللتك اذهب لست نادمة
على فراقك ان الحب ليس لنا!!
يكمل ابو ريشة غناءه المؤلم. اطالبه بالتوقف رأفة بي.. لم تسعفني الكلمات في استجدائه.. ولا بكائي.. ارى من حولي شعراء يصفقون طرباً.. وآخرين يبكون.. وأخريات يتساقطن نحيباً وموتاً!!.
استيقظ من نومي كالمذعور.. او من به مسّ من الجن.. اتلفت حولي.. لا اجد احدا.. انظر الى الكتاب في اقصى الغرفة مفتوحاً بإهمال كما رميته مساء البارحة!!.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved