|
|
|
إن قضية الزمان والمكان من أهم القضايا التي أثرت فيها التقنية المعاصرة، فمنذ الثورة الصناعية ومسألة الزمان والمكان في اختزال مستمر، وزاد هذا الاختزال سرعة في العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الواحد العشرين، وتدل معطيات العلم الحديث على أن الزمان والمكان سيشهدان اختزالا أكبر مما كانا عليه في السابق، ولعل مسألة اختزال الزمان والمكان قبل الثورة الصناعية لاتتمم إلا عن طريق المعجزة أو الكرامة (وهي حادثة أيضا في جميع العصور، أعني الكرامة)، ومن أهم شواهد اختزال الزمان والمكان في تاريخ الإسلام هي معجزة الإسراء والمعراج، وقبل الإسلام ما صنعه الله لنبيه داود عليه السلام، حيث اختزل له جزء من الزمان عندما أحضر له عرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه، وهذا لا يعني أن جميع مسائل الزمان والمكان طيعة للاختزال من قبل التقنية المعاصرة، ولعل سائلا يسأل: ماذا نقصد بعملية الاختزال هذه؟ أقول وبصورة مبسطة انها اختصار الزمان فيما يخص الزمن أو توفير الحيز المكاني أو غير ذلك فيما يخص المكان عن طريق استخدام وسائل تقنية معينة، وقضايا اختزال الزمن في عصرنا الحالي كثيرة فالاكتشافات الطبية والبيولوجية الحديثة التي فتحت بابا عريضاً من المعارف حصل معظمها بسبب التقنيات المتقدمة من أشعة ليزر و غيرها من تقنيات متقدمة رصدت لنا سرعة الضوء وقياسات أخرى يصعب تحقيقها بدون هذه التقنيات المعاصرة، ولننظر ما حققته الإنترنت من اختزال للزمان والمكان في آن واحد وأصبح العالم كأنه منظومة واحدة أو ما يعرب عنه عادة ب «قرية واحدة»، وقد تكون هذه إرهاصات لبعض التنبؤات التي ترى فيما يستقبل من الزمان تحقق كون إلكتروني واحد، والأمثلة على اختزال الزمان والمكان في عصرنا الحاضر كثيرة، ولكن لعل مثالا واحدا نشاهده ونعايشه في حياتنا يوضح لنا الصورة إن اختزال زمن السفر عن طريق الطائرات من أكثر الأمور فائدة في حياتنا فالسفر بدون هذه الوسائل يعد أمرا شاقا وصعبا وكان في الزمن السابق يأخذ أياما أو أسابيع أو شهورا وذلك حسب طول المسافة ومع وسائل التقنية الحديثة اختزل زمن السفر فالمسافة التي تقطع في شهر أصبحت تقطع في ساعة ونصف الساعة وبحكم أننا نعايش مثل هذه الوسائل فهذا النوع من الاختزال قد لا ندركه أو نشعر به ولكنه نوع من الاختزال الزمني المهم واختزال الزمن في مجال تقنية المعلومات هو الأهم في عصرنا وهو الذي يتطور بشكل متلاحق يفوق الوصف، وينقل إيدروج في كتابه «ذكاء الإعلام في عصر المعلوماتية» عن Cornish الذي كتب مقالا عام 1981م بعنوان The coming of an information society قوله: لو أن ميدان الطيران تطور بوتيرة التطور التكنولوجي نفسها في قطاع المعلومات طيلة 20 سنة الماضية لأصبح بإمكان طائرة كونكورد حاليا أن تحمل مليون راكب بسرعة تفوق 20 مليون ميل، وبسعر لا يتجاوز نصف سنت!ولعل من أهم اختزالات المكان فيما يخص خزن المعلومات ما يعرف بأقراص الليزر أو أقراص DVD فقرص الليزر الذي يكاد لا يتجاوز راحة الكف يستوعب قرابة ألف من مجلدات الكتب أو يزيد وإذا ما يممنا شطرنا صوب أقراص DVD وقدرتها التخزينية التي تفوق أقراص الليزر ست عشرة مرة!! إذن كم هو الحيز المكاني الذي سيوفره قرص واحد من أقراص DVD إذا ما قارنه بحجم الكتب المطبوعة على الأرفف أو غيرها من المعولمات المطبوعة على الورق إنه اختزال للزمان والمكان أنعم الله به على بني الإنسان في هذا الزمان والله المستعان. |
![]()
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة] |