كنتُ كلَّما طاف بي طيفكِ...، وشيء منكِ وعنكِ أفرحُ...، فرح الرضيع بوجه أمّه...
لا أحسب أنَّكِ غادرتِ مُخيَّلتي ثانيةً، ولا لحظةً...
لا أدري كيف أصبحتِ ألمَ الجرح...، ينزُّ كلَّما طُفتِ بخاطري...، فأفزُّ لكِ متسائلة:
كيف لمصدر الفرح، أن يغدو مصدر الألم؟...
أتدرين لماذا؟
لأنَّ النَّهر الذي يجري، يتدفَّق، ينساب، كلَّما وُضعت أمامه السُّدود، والقيود، لا تُلجمه فقط، وإنَّما تُكسِّره...، وكَسْرُ النَّهر أشدُّ إيلاماً في تدفُّقه، من كَسْره وهو ينساب في هدوء...، ذلك لأنَّه في انسيابه إذا ما صادمته السدود تُمكِّنه من أن يتسلَّل إلى منافذ ومنافذ...، أمَّا وهو فائض بنشاطه في عنفوانه فإنّها تكسره، تنثره، كما الشَّظايا...!
إنَّ شظايا النَّهر لا تقلُّ في إيلام طعنها عن نصل السكين، ورأس الرُّمح...
أنتِ...
فعَلْتِ ذلك...
أنتِ الحقيقة التي لا أعرف أيَّ وجه لها...!!
تُقبلين مع الموجة في وجه، وتديرين مع السَّد في وجه آخر!
تُحيطين ذاتكِ، بما يحمي ذاتكِ، من أجل ذاتكِ...!
وتلك خفايا الحقيقة...
ألم يقولوا: إنَّ الحقيقة مؤلمة؟!
وكيف تكون كذلك وهي حقيقة؟... أم أنَّ الحقائق لا تكون إلاَّ بوجهَيّْ الجبهة، والسكين؟!، والوردة، والحنظل؟!، والأبيض والأسود؟!، والصدق والكذب؟!.
ألا توجد حقيقة ذات وجه واحد؟...
كنتِ هذه الحقيقة ذات الوجه الواحد، حتى تكسَّر النَّهر فيَّ بوجهكِ الآخر...
بنصْلكِ الذي حوَّل الجبهة إلى سكين، وطوَّق تدفُّق النَّهر... وبعثه شظايا!!...
كيف استطعتِِ أن تصنعي الفرح!...
ومن ثمَّ كيف استطعتِ أن تصنعي الألم؟...
كيف تسارعت طيوفكِ بأشواق الفرح، والسعادة، في بهاء تفتّق أكمام الورد، وانتشار عبقه؟
وكيف تسارعت طيوفكِ بحسرات الألم، والحزن، في بوح الدموع وحرقة الحسرة؟
أوَ كلَّما عاجلني الشوق إليكِ، تسارعت إليَّ أنصالكِ؟!
وكلَّما عاجلتكِ رغبة الانتصار أزحتِ سدودك وأقبلتِ؟!
كيف لكِ أن تقفي مشطورة؟؟
وكيف لي أن أكون عجينة الماء الذي تسرّب من بين يديكِ؟
أنتِ حقيقة الحقائق يا سيدتي...
أنتِ لستِ بين النَّهر والسَّد...
إنَّكِ بين الجبهة والسكين..
بين رهجة الفرح، وحزن الألم...
أنتِ بينكِ وبينكِ ولا أحد يقف بينكما.
|