قال الشاعر:
من لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد
هل تشارك الشاعر رأيه فيما قرره من حقائق فحواها وحدانية الموت وتعدد أسبابه..؟!
فالشاعر هنا - كما يبدو - قد صاغ بيته الشعري هذا دون أن يخطر على خياله امكانية تعدد صيغ الموت بالشكل الذي هي عليه في عصرنا هذا. إن الموت هو الحقيقة..، والحقيقة - رغم وحدانيتها - لها من الصيغ المتعددة مثلما لها من الأسباب المتعددة أيضا. بل إن الموت كالصاروخ الواحد متعدد الرؤوس المدمرة التي تجعل منه أكثر من مجرد صاروخ واحد. عليه فإن تعددت أسباب الموت في وقت شاعرنا فقد تعددت(وحدانيته) في وقتنا هذا ايضا. فكم من فرد مات غرقاً في مستنقعات النفاق..؟ وكم من آخر مات كمدا في خضم ما اعتقده - زوراً وبهتانا - منافسة شريفة؟ بل كم من شخص اغتالته لا يد المنون بل رصاصات الكلمة الصادقة..؟ وكم من رأس طمع قطعته سيوف المبادىء الناصعة..؟ وكم من قلب حقد وخزته سهام المواقف السامية..؟
فكل هؤلاء ماتوا موتاً معنويا، ومهما كانت هي مقاصد الشاعر حين نظم بيته المذكور آنفا فهي إذن لم تتجاوز نطاق الموت الطبيعي الذي أمره دون شك أو ريب بيد الله سبحانه. أما ما لم يكن قد خطر على بال الشاعر حينها فحتما كان هو الموت (الاصطناعي).. ولست هنا أعني به الموت الإكلينيكي (الدماغي).. فهذا يدخل ضمن الموت الطبيعي أيضا، بل قصدت بالاصطناعي هنا.. موت الفرد بصنيعه.. بمشيئته، وذلك حين ينقاد إلى الموت طائعاً.. مختاراًَ.. إنه موت الضمير.. موت النفاق والتزلف.. موت الحسد..، موت أجهزة (الردع) عن الظلم في الإنسان..، موت الأمانة.. موت الأنفة.. موت الكرامة..
.. باختصار إنه الموت الاصطناعي لما هو أغلى من أن يموت اصطناعيا.. أو لعله: موت الأحياء/ الأموات..؟ إنه هو..!
.. بهذه المقالة تكون (شدو) قد توقفت عن الكلام المباح تمتعاً بإجازة أتمنى.. أقول أتمنى ألا تطول..
|