ظاهرة الصالونات النسائية الأدبية ظاهرة جديدة نوعا ما على المجتمع ولم تبلور صيغتها النهائية والأخيرة بعد، لكن هذا لايمنع وجودها بقوة وعلى شكل فعال ومنتج، بشكل يعوض ويرمم الغياب الفادح لوجود المنابر المعدة والمهيأة لاحتواء النشاط الأدبي والفكري النسائي، وهي تجربة تمثل ظاهرة حيوية ونادرة للمرأة السعودية من خلال عدة منطلقات قد يكون أبرزها، استعادة المرأة لصوتها المغيب عبر التاريخ، من خلال وضعه في سياق يحتفي بالطرح الفكري والثقافي النسائي.
ولعل هذا الدور كان شاغراً عبر التاريخ وكان على الغالب تشغله الجواري والمحظيات بغرض الترفيه عن الرجل وترديد ما قاله أو يود سماعه، دون أن يكون لها دور في المنتج الفكري وصياغته وإعطائه الصبغة النسائية الخاصة.
وإن كان صالون «مي زيادة» قد توسل مظلة ذكورية كواجهة له..
فصالوناتنا المحلية تتخذ تحديها من كونها تبلور نقلة هامة من خلال نقل النساء لدينا عن شغل أفواههن بالمضغ، وآذانهن بالإنصات الى النميمة، إلى الانتقال بعقولهن الى آفاق أوسع وأكبر مدى وتحدياً لسباتها وسلبيتها.
وفي تقديري الخاص أعتقد بأن خطوة الصالونات النسائية توازي في أهميتها بدء التعليم الرسمي للمرأة لدينا، لأنها بالتأكيد تتوازى مع خطوات مصرة وملحة في... ثقافة الرمل.
ولعل الدور الذي يمنحها مصداقيتها ويؤكدها هو عدم اقتصارها على الطروحات الفكرية الخاصة بالنخبة أو من يسمون بطبقة «الإنتلجنسيا»، بل تجاوزته الى الكثير من الطروحات التي تهم المرأة بما يخص في تفاصيل يومها وبشكل لا يعزلها أو يحيدها عن السياق الفكري العام في المجتمع.ولعلي أحمل ولاء خاصاً لهذه الصالونات فمن خلال صالون الشاعرة «سلطانة السديري» وجدت قصتي «وسمية» التي كتبتها للأطفال طريقها للنور.
وبالتأكيد ما كانت هذه القصة ستجد طريقها الى أيدي الأطفال لولا توفر البيئة التي جمعتني أنا والفنانة التشكيلية «هلا بنت خالد» تلك البيئة التي توفر مناخاً صحياً فاعلاً منتجاً على مستوى المنتج الثقافي.
ولعل غياب الصيغة الرسمية عن هذه الصالونات من شأنه أن يمنحها فضاء أكبر من الحرية، واتساعاً في التحليق على مستوى الطرح والنقاش، وتفعيل الحوار الفكري والإنساني لجميع الأطراف، دون محاذير رقابية أو بيروقراطية من جهات معينة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى هو تحايل على الإهمال الرسمي الذي يترصد بإنتاج المرأة الفكري والإبداعي سواء من جمعية الفنون أو من النادي الأدبي، للخروج من مآزق الإهمال عبر حلولها الخاصة.
ولعل الإقبال الهائل على مثل هذه الصالونات يشير بوضوح الى ان المتلقين والمستقبلين لا يميلون الى الصيغ الرسمية المقبولة في الطرح قدر ميلهم لجهات حيوية وفعالة تستمد طروحاتها من واقعهم وهمومهم وأسئلتهم.
الصالونات النسائية هي منبر تسترد به المرأة صوتها الغائب والمتشظي بين ركام القرون... وكتب الرجال.
|