عاد من غربته.. عاد بعد مضي أربع سنوات من عمره.. عاد إلى موطنه محملاً بغبار ذكراها ويحمل في قلبه شوقاً لأهل ديرته.. استقبلته أمه بوجهها الذي لم يفارقه أبداً طوال غربته، وأخواته الصغار يتقافزون فرحاً بقدومه ويتسارعون على من يحمل حقيبته.. وبنات الجيران ينظرون له مع ثقوب الأبواب بنظرة إعجاب فأعينهم لم تتعود على تلك الهيئة التي عاد بها من غربته.. يدخل مع عتبة داره ويجلس على ذلك الكرسي المتآكل خشبه قبال والدته.. لم تزل جلسة أمه كما هي لم تتغير.. تبدأ والدته في الحديث معه تحدثه عن أهل القرية وأحوالهم وماذا أحل بهم في فترة غيابه من أفراح وأحزان.. يقاطع حديثها بعد تردد شديد:
- أمي سأذهب لأرتاح بعض الوقت وفي الغد نستكمل حديثنا.
- حسناً يا بني اذهب إلى غرفتك فمنذ رحيلك لم يدخلها أحد.
ينهض من على الكرسي ويجر خطاه متجهاً إلى غرفته.. يفتح الباب ويجول بنظرة بين أرجائها، لم تتغير.. فسريره باق مكانه.. وكتبه ومكتبه في نفس المكان الذي تركها عليه.. يتقدم نحو مكتبه ينفض عنه وعن كرسيه أكوام الغبار.. يجلس ليفتح أدراج مكتبه ليرتب بعض الأوراق المبعثرة فيه.. يمسك بتلك الورقة المصفرة من بينهم.. تسقط صورة على الأرض يأخذها ويقرأ ما كتب على ظهرها:
رزقت مودتي ورزقت عطفي
ولم أرزق فديتك منك رافه
تذكرها جيداً.. فطالما تسابق هو وإياها في حفظ أعذب الشعر.. فكانت تهتز طربا عندما ينشدها أبياته التي يحفظها.. ولكن الأيام لم تمهلهم فحالت بينهم وأبعدتهم عن بعض.. فنزلت دمعته لتبعثر الحبر وتمحو ذكراها.
*قنا
|