* القاهرة مكتب الجزيرة شريف صالح:
في عام 200 صدر في نيويورك كتاب مثير تحت عنوان «الحرب الباردة الثقافية» «المخابرات المركزية الأمريكية وعالم الفنون والآداب» من تأليف باحثة شابة هي الانجليزية فرانسيس ستونر سوندرز «مواليد عام 1965»، وفور صدور الكتاب اثيرت حوله ضجة هائلة لم تنته بعد، ويكفي ان خبراء «التجسس» والمتخصصين في الحروب «الخفية» اعلنوا ان ما نشرته فرانسيس قليل جداً وان ثمة وثائق أكثر خطورة سوف يعلن عنها في الايام القادمة، وعلى أي الأحوال، كان هذا الكتاب «القنبلة» البداية التي اضاءت السراديب المظلمة وعرت دور المخابرات المركزية الامريكية في المجال الثقافي والاعلامي بالتحديد.
ولحسن الحظ قام المجلس الأعلى للثقافة بمصر مؤخراً بنشر الترجمة العربية الأولى لهذا الكتاب، بقلم الأستاذ طلعت الشايب الذي تخصص في السنوات الأخيرة في ترجمة الكتب الشائكة منها على سبيل المثال «صدام الحضارات» لهنتجتون، وقدم للترجمة المؤرخ المعروف الدكتور عصام دسوقي.
منذ افتتاحية الكتاب نجد مقولة لوليم نجريف: اعرف ان ذلك سر.. لانهم يتهامسون به في كل مكان «توحي المؤلفة ان ما ستنشره من معلومات ووثائق لن يقدم جديداً على اعتبار ان الفضيحة على الملأ والرائحة زكمت الأنوف، كل ما هنالك انه لا احد كان يملك دليلاً على الدور المشبوه، لا احد يستطيع ان يضبط اليد الخفية متلبسة ليعرضها في محكمة التاريخ.
والحقيقة ان الصدفة لعبت دورها في ان تختار فرانسيس هذا الموضوع الملتهب وتعكف عليه ما يزيد عن ثلاث سنوات، تلملم وثائقه وتجري حوارات ومقابلات مع عملاء سابقين، حتى تبلور هذا الكتاب فيما يزيد عن اربعمائة صفحة في طبعته العربية، ففرانسيس باحثة وكاتبة قصص ومخرجة أفلام تسجيلية، درست الادب في جامعة اكسفورد، وبالمصادفة في عام 1993 قرأت مقالاً عن علاقة المخابرات المركزية الامريكية بمدرسة نيويورك للفنون التشكيلية.. فتساءلت ما الذي يجمع بين جاسوس محترف وبين فنان تشكيلي؟! بين الابداع وبين المؤامرة؟ ولمدة سنة كاملة ظلت تبحث عن اجابة، واذاعت ما توصلت اليه في برنامج تلفزيوني تحت عنوان «الأيديي الخفية الفن والمخابرات المركزية» عرضته القناة الرابعة في بريطانيا واثار جدلاً كبيراً، ومنه التقطت فرانسيس المواد الاولية لكتابها الذي استمرت في اعداده ثلاث سنوات كاملة ونشرته تحت عنوان لافت للانتباه «من يدفع للزمار».
في تقديمه للكتاب يذكر د. عصام دسوقي ان نواة المخابرات المركزية الامريكية تشكلت عقب ضرب الاسطول الامريكي في «بيرل هاربور» عام 1941م، اذ شعرت الحكومة الامريكية بالخطر يحيط بمصالحها فبادرت بإنشاء «مكتب الخدمات الاستراتيجية» الذي يضم عناصر ذات مهارات تدريبية عالية، تم اختيارها من ابناء الصفوة الحاكمة، لاكتشاف الخطر قبل وقوعه، وكان كل عضو من اعضاء هذا المكتب يحمل حقيبة صغيرة بها بندقية صغيرة وعدد من القنابل اليدوية وبعض العملات الذهبية وحبه دواء قاتلة لتنفيذ عمليات قذرة، وبعد انتهاء الحرب الغي «ترومان» هذا المكتب لأنه لايريد شيئاً يشبه «الجستابو» الالماني.
ومع الجدل المتبادل بين القطبين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي وبداية الحرب الباردة التي يؤرخ لها بالعام 1947، اخذ كل من المعسكرين يطارد بعضهما بعضاً في العالم الثالث ومناطق الثروة والنفوذ، وفي حملات التشهير والدعاية، وفي الثقافة والفنون، ولكل منهما وسائله في التصفية الفكرية والعقلية، فأنشأت الحكومة الامريكية C.I.A في يوليو 1947، ليتولى الجانب الثقافي في الحرب الباردة ومن ابرز رجال الجهاز انذاك الان دالاس وكيرميت روزفلت، وكانت اولى اعماله تكوين واجهة ثقافية «لتحصين العالم ضد وباء الشيوعية» بالاعتماد على «الكونسورتيوم» الذي يضم مجموعة من الراديكالين الشيوعيين المحبطين، حيث يقوم هؤلاء انفسهم بنقد الشيوعية واسباب توبتهم عنها.
وعندما افتتح السوفيت بيتاً للثقافة في برلين لبناء ثقافة شيوعية، اسرع الامريكيون بافتتاح المراكز الثقافية في مختلف بلاد العالم لتقديم الثقافة الامريكية من خلال السينما والمسرح وحفلات الموسيقى والمعارض الفنية، واعطيت صلاحيات مطلقة لC.I.A من اجل حماية الصورة الامريكية التي ترسمها وسائل الدعاية والاعلام في خيال الآخرين.
وفي عام 1949 حصل الجهاز على حق انفاق الاموال اللازمة لتمويل نشاطه دون تقديم بيانات عن اوجه الصرف حتى لايترك مستنداً يدل على دور الحكومة، وفي العام التالي اسست المخابرات منظمة ثقافية جديدة باسم «كونجرس الحرية الثقافية» تحولت في عام 1967 الى الاتحاد الدولي للحرية الثقافية واصبح لها فروع في خمس وثلاثين دولة واصدارات اكثر من عشرين مجلة مرموقة مثل انكاونستر وكومنتري وبارتيزان ريفيو، بغرض تكسير الوعي بالشيوعية عند المثقفين.
بينما نجح السيناتور مكارتي عام 1953 في تكوين لجنة داخل الكونجرس خاصة بالنشاط المعادي لامريكا تمكنت من تمرير مشروع قانون بالرقابة على الثقافة يأخذ المخالفين والمعارضين - بالشبهات الى المقصلة!! أو على الأقل الموت المعنوي واغلاق الابواب في وجوههم.
ومن المؤسف ان الروائي الامريكي الشهير ارنست هيمنجواي كان يخضع لمتابعة ادارة التحقيقات F.B.I لدرجة انه اصيب باكتئاب شديد ادى الى انتحاره في نهاية المطاف كما ان منظمة الحرية الثقافية لعبت دوراً مشبوهاً في عدم فوز شاعر شيلي الكبير بابلونيرودا بنوبل في الادب عام 1964 ولم يفز بها إلا في عام 1971 عندما كان سفيرا لبلاده ومع ذلك قتلته المخابرات الامريكية بعد فوزه بعامين.
اما الروائي البريطاني الاشهر جورج اوريل صاحب «مزرعة الحيوان» و«العالم 1984» فقد اسيئ توظيف روايته أسوأ توظيف، وتحول نقده المأساوي لكافة اشكال النظم المتسلطة يمينية كانت او يسارية، تحول الى نقد دعائي للشيوعية فقط، وذلك عن طريق الادوات الخفية الC.I.A فعلى سبيل المثال وبعد رحيل اوريل مباشرة في عام 1950 أرسل هوارد هنت كلا من «السوب» و«فار» الى انجلترا لمقابلة «سونيا» أرملته ليطلبا منها التوقيع على حقوق فيلم «مزرعة الحيوان» بعد ان حصلت على وعد منهما بأن يرتبا لها لقاء مع بطلها المفضل كلارك جيبل، ومن هذه الزيارة خرج اطول فيلم كرتون انتج في هذه الفترة وهو «مزرعة الحيوان» بتمويل الC.I.A من خلال شركة هالاس وباتشلور لأفلام الكرتون، وكان هالاس وزوجته جول باتشلور يعملان لحساب مكتب الاعلام البريطاني المركزي ويروجان لحلف شمال الاطلنطي ومشروع مارشال من خلال عشرات الافلام الكرتونية!
عشرات الاسماء من مثقفين وعملاء.. مجلات وكتب وجمعيات سرية وفنية.. كلها مرت عبر ال C.I.A هذا ما تؤكده فرانسيس في كتابها الضجة..
وعبر ستة وعشرين عنوانا جذابا، فيما يشبه زوايا جديدة لكشف دهاليز الثقافة العملية والدعائية، من بينها عناوين مثل «ناتو ثقافي»، «قيصر الارجنتين»، «أصدقاء القلم»، «صبية رانسوم»،
وكلها عناوين مثيرة لاتخفي براعتها السينمائية كمخرجة افلام تسجيلية،
ودائما تحت كل عنوان وجبة دسمة من المعلومات والاسرار وعشرات الاسماء، وبنفس الطريقة السينمائية ختمت الكتاب الذي يركز بالاساس على عقدين في تاريخ الC.I.A منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى اواخر الستينيات، ختمت الكتاب بذكر اسماء أشهر رجال الC.I.A في الحقل الثقافي نيكوس نابو كوف، مايكل جوسلسون، وجون هنتوميلفن لاسكي وغيرهم، وكما كان هؤلاء صناعاً للدراما الخفية فان نهايتهم لاتقل روعة في دراميتها، وعلى عادتها في تصدير الفصول بمزيد من العبارات الخلابة والموحية نستعير احدى كلمات نيكوس نابوكوف الواردة في صدر الفصل العشرين: «تقلب في قبرك يا مستر يرميلوف» لقد قبضت من الC.I.A»!!
|