* كتب - مندوب الجزيرة:
أكد معالي وزير الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ المسلمين على الدعاة والائمة والخطباء ضرورة اتباع القول بالعمل في الدعوة الى الله تعالى، فالاصل في نجاح اعمال الدعوة الى الله ان يكون القول والعمل معاً، وان ييسر الدعاة الدعوة ويفتحوا ابوابها، وان يكونوا جميعاً يداً واحدة على الخير متعاونين على البر والتقوى.
ووصف معاليه - في محاضرة القاها مؤخراً بعنوان «تفاني اهل السلف في نشر الدعوة» بجامع الاسواق الشعبية بشمال الرياض ضمن البرامج الدعوية المصاحبة لمعرض وسائل الدعوة الى الله الثالث الذي تنظمه وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد في مقر مراكز الرياض.
وصف الدعوة الى الله تعالى بأنها مقام عظيم وشرف كبير اختص الله بها الانبياء والمرسلين ومن سار على نهجهم في هذا السبيل، وفيما يلي نص محاضرة معاليه:
معالي وزير الشؤون الإسلامية
* وهذا فيه تفضيل للداعي الى الله - جل وعلا - في قوله اذا أتبع القول بالعمل، ومن احسن قولاً ممن دعا الى الله، فلا أحد احسن قولاً ممن يدعو الى الله - جل وعلا - يدعو الى تعظيم الله، يدعو الى توحيد الله، يدعو الى ترك الشرك ووسائله، يدعو الى اتباع السنة يدعو الى ان يطيع الخلق ربهم - جل وعلا -، ولهذا قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى - في هذه الآية لما تلاها، قال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، اجاب الله في دعوته، ودعا الناس الى ما اجاب الله اليه من دعوته، هذا صفي الله، كما قال ايضاً الامام احمد بن حنبل - رحمه الله تعالى: وددت ان الخلق اطاعوا الله، وان جسمي قرض بالمقاريض، وهذا يعطيك شدة فقه ائمة الدين بالقرآن وبسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبحرصهم الشديد على نشر الدعوة، والبذل في ان يطيع الخلق ربهم - جل وعلا -، فالدعوة الى الله مقام عظيم، وشرف كبير، ومنزلة رفيعة عالية، اختص الله - جلا وعلا - بها الانبياء والمرسلين ومن سار على نهجهم في هذا السبيل، لهذا قص الله - جلا وعلا - في القرآن سير الانبياء والمرسلين، منبهاً الى انهم كانوا دعاة الى الله - جل وعلا - فانظر مثلاً الى قول اول الرسل عليهم صلوات الله وسلامه نوح عليه السلام في سورة باسمه سورة نوح قال فيها:{قّالّ رّبٌَ إنٌَي دّعّوًتٍ قّوًمٌي لّيًلاْ وّنّهّارْا (5)فّلّمً يّزٌدًهٍمً دٍعّائٌي إلاَّ فٌرّارْا} نوح: (6) ، فدعاهم مع انه المؤيد بالمعجزات والبراهين، دعاهم الف سنة الا خمسين عاماً ليلاً ونهاراً، لم ييأس، ولم يتواكل، بل كان مقبلاً على هذا السبيل ليلاً ونهاراً، والنتيجة فلم يزدهم دعائي الا فرارا، واخبر الله - جل وعلا - عن نوع آخر من الدعوة في قصة ابراهيم الخليل - عليه السلام - لما ناظر قومه، كما اخبر في سورة الانعام في قوله:{وّإذً قّالّ إبًرّاهٌيمٍ لأّبٌيهٌ آزّرّ أّتّتَّخٌذٍ أّصًنّامْا آلٌهّةْ ...} والأنعام: (74 )، الآيات حيث قال فيها مناظراً لقومه، {فّلّمَّا رّأّى پًقّمّرّ بّازٌغْا قّالّ هّذّا رّبٌَي فّلّمَّا أّفّلّ قّالّ لّئٌن لَّمً يّهًدٌنٌي رّبٌَي لأّكٍونّنَّ مٌنّ پًقّوًمٌ پضَّالٌَينّ، فّلّمَّا رّأّى پشَّمًسّ بّازٌغّةْ قّالّ هّذّا رّبٌَي هّذّا أّكًبّرٍ فّلّمَّا أّفّلّتً قّالّ يّا قّوًمٌ إنٌَي بّرٌيءِ مٌَمَّا تٍشًرٌكٍونّ} الأنعام: (77 ـ 78) قال اهل العلم: كان ابراهيم - عليه السلام - مناظراً للمشركين بما ذكر لا ناظراً في الملكوت، او في الدلائل، لهذا كان من منهج اهل السنة والجماعة ان ابراهيم - عليه السلام - كان في هذه الآيات، وما قاله داعياً الى الله بالمناظرة بالمحاجة لهذا قال في آخرها، {وّتٌلًكّ حٍجَّتٍنّا آتّيًنّاهّا إبًرّاهٌيمّ عّلّى" قّوًمٌهٌ نّرًفّعٍ دّرّجّاتُ مَّن نَّشّاءٍ..} والأنعام: (83)؟ فابراهيم عليه السلام دعا الى الله - جل وعلا - بوجه من أوجه الدعوة وهو المناظرة والمجادلة، وبذل في ذلك، ودعا من دعا اباه، كما في قصته في سورة مريم، ودعا قومه، كما في قصته في سورة الانعام وسورة الانبياء وفي الصافات وغيرها، ودعا الناس الى ذلك وآمن به من آمن، وكان من اعظم من آمن به لوط - عليه السلام -، {فّآمّنّ لّهٍ لٍوطِ وّقّالّ إنٌَي مٍهّاجٌرِ إلّى" رّبٌَي} العنكبوت: (26) وهنا تقف ان الانبياء - عليهم السلام - والرسول - عليه الصلاة والسلام - كانوا اكثر الخلق بذلاً في الدعوة الى الله - جل وعلا - لان الله كلفهم بذلك، وامرهم به كما امر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فالجميع مأمورون بتبليغ رسالات الله، الجميع مأمورون بتبليغ الدعوة الى الله - جل وعلا - وهذا السبيل، وهو سبيل ابلاغ الدعوة هو سبيل الانبياء، وهو هداهم، وهو هديهم، وهو سمتهم الواجب الذي اوجبه الله - جل وعلا - عليهم، ونحن مأمورون ان نقتدي بهم، قال - جل وعلا - في حقهم:{أٍوًلّئٌكّ پَّذٌينّ هّدّى پلَّهٍ فّبٌهٍدّاهٍمٍ \قًتّدٌهً....} الأنعام: (90) يعني اقتدي بذلك الهدى الذي منه انهم كانوا دعاةً الى الله - جل وعلا -، وخذ مثلاً لذلك يوسف - عليه السلام - في جميع احواله التي تقلب فيها منذ ان كان في بيت العزيز وما حصل في بيت العزيز الى ان مكنه الله - جل وعلا -، وقدم عليه امه وابوه واخوانه، وخروا له سجدا كان في هذه المقامات جميعاً داعياً الى الله - جل وعلا -، ولهذا تستطيع ان تسمي سورة يوسف - عليه السلام - سورة الدعوة لان أسماء السوء ليست توقيفية على الصحيح يمكن أن تسميها سورة الدعوة او ان تقول موضوعها الدعوة إلى الله - جل وعلا -، فهذا يوسف - عليه السلام - في السجن كان داعياً الى الله - جل وعلا {يّا صّاحٌبّيٌ پسٌَجًنٌ أّأّرًبّابِ مٍَتّفّرٌَقٍونّ خّيًرِ أّمٌ پلَّهٍ پًوّاحٌدٍ پًقّهَّارٍ (39)}*يوسف* ولما وصل الى الملك وقربه كان داعياً الى الله - جل وعلا - ولما اتاه اخوته كان كذلك، حتى صارت هذه السورة فيها سيرة الداعية، وفيها خلق الداعية، وفيها ما يكاد للداعية من القيل والقال والكيل، وفيها صبر الداعية وتحمله وما يأتيه من البلاء في ذلك فهي محل للاعتبار والتدبر والدرس، وهي سورة يوسف - عليه السلام - لهذا جاء في آخرها ليربط موضوع السورة بآخر السورة جاء في آخرها قول الحق - جل وعلا - {قٍلً هّذٌهٌ سّبٌيلٌي أّدًعٍو إلّى پلَّهٌ عّلّى" بّصٌيرّةُ أّنّا وّمّنٌ \تَّبّعّنٌي...} ويوسف: (108) ، قال هذه سبيلي هذه الاشارة الى اي شيء؟ الاشارة الى ما ذكر في السورة هذه سبيلي يعني ما قص في السورة من احكام، ومن سيرة ليوسف - عليه السلام -، كالدعوة الى التوحيد والصبر على الاذى ، وبذل النفع والندى، والعفو عمن ظلم، والحرص على النفع والتعاون مع الناس على البر والتقوى، هذه سبيلي ادعو الى الله وحده لا الى النفس ولا الى طريقة ولا الى حزب، ولا الى جماعة، وانما الدعوة الى الله وحده خالصة قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة يعني على علم وبينة وبرهان وحجة انا ومن اتبعني، فكل من اتبع محمداً - صلى الله عليه وسلم - هو على هذا السبيل انه داعٍ الى الله - جل وعلا - بهذا كانت مهمة الانبياء ومهمة المرسلين، الدعوة الى الله - جلا وعلا - ، الدعوة الى الله بالعلم النافع، الدعوة الى الله - جل وعلا - بالخلق الكامل، الدعوة الى الله - جل وعلا - بحسن السيرة وحسن السمت وحسن الهدي، الدعوة الى الله - جل وعلا - في اي مكان يكونون فيه، النبي - صلى الله عليه وسلم - كان داعياً الى الله في منصب الامامة وولاية الامر، وكان داعياً الى الله في منصب القضاء، وكان داعياً الى الله في منصب الافتاء، وكان داعياً الى الله في امامة الناس للصلاة، قال اهل العلم من اهل الاصول تصرفات النبي - صلى الله عليه وسلم - بحسب ما كان فيه من العمل، ففي التبليغ والتشريع كان نبياً - عليه الصلاة والسلام -، وفي تولي امر الامة كان ولي الامر كان امام المسلمين، وفي الحرب، كان قائد الجهاد، وفي القضاء كان هو القاضي، لهذا قال لما كان يقضي، قال - عليه الصلاة والسلام - «لعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق اخيه شيئاً فهو قطعة من النار، فليأخذ او ليدع» هنا موقع القضاء كان موقع دعوة، وبيان، وارشاد، وتنبيه للناس، فيما قاله - عليه الصلاة والسلام -، والافعال لم يكن يعطى الوحي في بيان الحق لمن من المتخاصمين، ولكن كان يأخذ بالدلائل والامارات، ويأخذ بالبينات على ما هو معروف في هذا السبيل، كان ايضاً اماماً للناس فكان يسمع ما يسمع من الناس فيقول ما بال اقوام يقولون كذا وكذا، مابال اقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، وينبه الناس ويعظهم ويدعوهم ويذهب، ويكون القدوة إماما للناس اذ رأى الفقير المحتاج حث الناس على ذلك، وهكذا، كان مرشداً كان يشفع للناس، اتته امرأة - عليه الصلاة والسلام - فأمرها ان تستقيم مع زوجها وبأن تلزمه، وألا تطلب فراقه، فقالت:
* ، قال المفسرون آمن معه اثنا عشر رجلاً وامرأة، واكثر الروايات على آمن معه بضع وسبعون بين رجل وامرأة حصيلة الف سنة، هذا العدد لكنهم امتثلوا امر الله - جل وعلا - وعبدوا الله - جل وعلا - ببذل الدعوة ، المثال الثاني محمد بن عبدالله - عليه الصلاة والسلام - مكث في مكة ثلاثة عشر عاماً كم نتيجة الدعوة في هذه السنين قليل نحو خمسمائة من اهل مكة واهل المدينة، لكن في العهد المدني كم حج معه مائة الف او يزيدون، فيبين لك ربك ان العبرة في الدعوة بالبذل والعطاء لكن متى تنفتح القلوب للدعوة ومتى يدخل الناس في دين الله افواجا ومتى يقتدون هذا الامر لمن لله - جل وعلا - ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء انت عليك البلاغ ان عليك الا البلاغ الذي على الرسل البلاغ، على العلماء أن يبينوا ما كان عليه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن يجتهدوا في بيان الكتاب والسنة وما امر الله به وما نهى عنه ليتبع الناس وليحذروا، لكن هل يستجيب الناس او لا يستجيبون ليكون ذلك من مهامهم انما عليهم ان يبذلوا في ذلك، والداعي الى الله فضيلته عظيمة فأجره مضاعف وعمله ينمى له بقدر من اهتدى به، قال - عليه الصلاة والسلام - كما في صحيح مسلم:« من دعا الى هدى كان له من الاجر مثل اجور من اتبعه» لا ينقص ذلك من اجورهم شيء، من دعا الى الهدى اي نوع من الهدى تدعوا اليه فلك مثل من اتبعك لا ينقص ذلك من الاجر شيء، علمت التوحيد، علمت الصلاة، علمت الخلق الحميد، علمت آداب الاسلام، علمت الغيرة علي الاسلام، علمت الدعوة حدثت الناس، حفظت القرآن أي شيء من ذلك لك من الاجر مثل اجور من اتبعك ولله الحمد والمنة، السلف الصالح رضوان الله عليهم نشروا الاسلام، من الذي نشر الاسلام في شرق الارض وفي غربها؟ الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الاسلام في الفتوحات، الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا كما وصفهم ابن مسعود كانوا ابر الامة قلوباً واعمقها علوماً واقلها تكلفاً حين نشروا هداية الاسلام بالدعوة الى الله - جل وعلا - بذلوا ليلهم ونهارهم، وتركوا اولادهم، وتركوا ديارهم لينشروا الدعوة، احب ما عليهم مكة والمدينة من بلاد الله لكن تركوها، وسكنوا غيرها لنشر الدعوة الى الله - جل وعلا - كيف انتشرت الدعوة الى الله في الشام؟ بهم، كيف انتشرت الدعوة في مصر؟ وفي العراق، وفي خراسان، وبلاد السند، وما وراء السند، الى الصين، انما انتشرت بهم، فتحوا البلاد بالعلم والدعوة، السيف او الجهاد هذا يفتح الطريق لكن لا يقنع الناس لا يعلم الناس، فحينئذ صار الصحابة معلمين، ذكر اهل العلم في ترجمة ابن عباس - رضي الله عنهما - ان ابن عباس يغشى الناس في منازلهم يعلمهم السنة لما كان اميراً لعلي بن ابي طالب على البصرة يغشى الناس في منازلهم يعلمهم وخاصة في شهر الاقبال على الخير اذا كان رمضان دخل المنازل يعلم الناس الخير، ولما رجع الى مكة كان المرجع للناس في تفسير القرآن، حتى إنه اقرأ القرآن، مئات المرات، وعرض عليه احد طلابه، وهو مجاهد بن جبر عرض عليه القرآن، ثلاث مرات يسأله عن كل آية ما معناها، وكان خادمه يقف عند الباب والناس مكتظون خلف الباب، فيقول من اراد ان يسأل عن التفسير فليدخل، فيدخل امة من الناس فيسألون ابن عباس فيعلمهم، فيذهبون، ثم يقول: من اراد ان يسأل عن السنة فليدخل، ثم يقول: من اراد ان يسأل عن الفقه، فليدخل، من اراد ان يسأل عن التاريخ وعن الشعر من اراد ان يسأل وهكذا.. فكان داعياً ومعلماً وناشراً لما علم ابن عباس دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:«اللهم فقهه في الدين»، كما في الصحيح وفي رواية للامام احمد في مسنده «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، وحبر الامة وترجمانها هو اقرأ سيرته سترى كيف انه كان يبذل وقته ونفسه ونفيسه في بذل العلم، ونشر الهداية، الخلفاء الراشدون كانوا دعاةً الى الله - جل وعلا - علي - رضي الله عنه - قال له نبينا - صلى الله عليه وسلم - في قصة فتح خيبر المعروفة «يا علي انفذ على رسلك ثم ادعهم الى دين الله فوالله لان يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» يعني الابل الحمراء ولا تقل حمر النعم لان الحمر جمع حمار وهي حمر بجمع حمراء وهي الابل الحمراء النفيسة هل تسمع عند العرب هذا لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم قال علي - رضي الله عنه - لابي العياج العسلي الا ابعثك الى ما بعثني اليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بلى، قال: ألا تدع صورةً منحوتة الا طمستها ولا قبراً مشرفاً يعني عالياً الا سويته، الدعوة الى الله في فهم السلف ليست فقط دعوة الى الاخلاق او دعوة الى الامور العامة، لا، اهم شيء في الدعوة الى الله أن يدعو الى اعظم حق لله - جل وعلا - وهوتوحيد الله - جل وعلا -، والحفاظ على جناب التوحيد وحمايته، ثم المحافظة على الفرائض، والمحافظة على الاخلاق، ثم على السير، عائشة - رضي الله عنها - كان يغشاها الناس ويسألونها عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتخبرهم بما تيسر لها، وجاءها مرة بعض الصحابة في بيتها، وقالوا لها وكانوا علماء من علماء التابعين قالوا: اخبرينا عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال خلقه القرآن يعني ان هديه وسمته وخلقه وطريقته هي القرآن بشموله - عليه الصلاة والسلام - اذا نظرت الى سير التابعين وجدت ان التابعين عملوا على أربعة محاور، فمنهم من بذل نفسه في الجهاد في سبيل الله والفتوحات، ومنهم من بذل نفسه في الولايات يعني تولى ولاية بلد او امارة، صار على ديوان صار كذا، ومنهم من بذل نفسه في التعليم، في تعليم الناس العلم النافع، ومنهم من بذل نفسه في الوعظ والارشاد، والجهاد الناس فيه كثير جاهد من جاهد حتى منهم من دفن على أسوار القسطنطينية، ومنهم من مات في البحر، ومنهم من مات في البر، وإنما انتشر الدين بالبذل والعطاء انتشر الدين وبلغت رسالة الله بنفوس ذهبت وحياة سنين وحياة طويلة فيها السنون الطويلة لله - جل وعلا - ليست للهو ولا للبدعة، وإنما بذلوا لذلك انتشر الدين، ومنهم من بذل في الولايات، ما فيه شك أمر الدين لا يستقيم إلا أن يكون أهل الحق الأقوياء في دين الله أهل الأمانة أن يكونوا في مستوى المسؤولية، وأن يلوا الولايات لا يقلبونها، ولكن يستعينون بها لأداء أمر الله - جل وعلا - هذا يوسف - عليه السلام - قال: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} *55 يوسف* هل قال ذلك رغبةً فيها، ولكن لأجل أن يفتح الله على يديه ما يقي الناس من المصائب في عهده من الفقر والعوز، كذلك السلف لم يكونوا يطلبونها لكن إذا جاءت استعانوا الله بها واتقوا الله - جل وعلا- فيها فنشروا أمر الله وأعانوا على الخير في جميع المجالات لما كانوا ولاة، الصنف الثالث العلماء، العلماء نشروا العلم كل في مجاله، منهم من نشر علم التفسير، ومنهم من نشر علم السنة، ومنهم من نشر علم الفقه، ومنهم ومنهم.. الخ، وعلماء السلف كثير من التابعين وتابعي التابعين وأئمة الإسلام، واقرأ تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي تجد أن فيها جمعاً كبيراً من أهل العلم من وقت التابعين إلى من بعدهم، الصنف الرابع: الوعاظ لكن كان وعظ السلف في سبيل نشر الدعوة وترقيق القلوب بالعلم النافع، ولذلك ذم أئمة الإسلام القصاص، القصاص الذين يقصون بجهل ويضربون الأمثلة بجهل، ويحكون على غير هدى، وإنما بما اقتضته عقولهم بما يؤثر على الناس هذا مذموم، ونهى عنه السلف أن يتبع سبيل القصاص لكن كان هناك في السلف وعاظ مثل عبيد بن عمير في مكة، مثل ربيع بن خثيم من تلامذة ابن مسعود- رضي الله عنه في الكوفة، الربيع بن خثيم كان يبذل نفسه يذهب ويجيء في سبيل الدعوة إلى الله - جل وعلا - وفي تعليم العلم فأراد أن يربي أبناءه وطلابه مرةً على نوع من البذل، فقال لأهله: اصنعوا لي طعاماً طعاماً سماه كان من أفضل ما يصنع من الأطعمة فصنعوا له الطعام وزينوه ظنوا أن عنده ضيفاً فلما أتوا به إلى طلابه كان بعضٌ منهم عنده منزل قال احملوه ظنوا أنهم سيأكلون معه قال احملوا فحملوا به فطرق باب بيت في الكوفة فلما طرق قال أريد فلاناً فأدخلوه عرفوا أنه الربيع بن خثيم كان بعض طلابه كان إذا أتى إلى زيارة أهل العلم أو بعض طلابه كان الخادم أو الأولاد إذا فتحوا الباب وردوا الخبر يقولون جاء الربيع الأعمى يظنونه أعمى البصر لأنه لم يكن يحلق في بيت أحد يزوره لما دخل على هذا الرجل وأتى بالطعام دخلوا معه فإذ الرجل الذي أتوا إليه بالطعام لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر أعمى أصم أبكم، وأخذ الربيع يضع يده في الطعام يضع يد هذا الأعمى الأصم الأبكم في الطعام ويأكله حتى سر ذاك من أطيب الطعام ويذهب به إليه فلما انصرفوا قال له أحد طلابه يا ربيع لو أخذنا في الدرس أو كلمةً نحوها وأرسلت إليه بالطعام فإنه أصم وأنه أعمى وأنه أبكم لا يسمع ولا يبصر ولا يرى، فقال له الربيع: أراد به هذا الدرس درس عظيم في الدعوة والوعظ والإرشاد، قال له: ولكن الله يسمع ويرى ألا تكون الأعمال التي تعملها تريد منها أن المقابل يعرف ما بذلت له إنما يكون التعامل مع الله جل وعلا، هذا وعظ رفيع الدرجة هذا عمل ليس أقواله هذه أعمال رفيعة الدرجة الواعظ الآخر الذي في مكة اسمه عبيد بن عمير، قالت له عائشة: يا عبيد ابن عمير، إذا أردت الدعوة والوعظ فأوجز لأن الكلام الكثير ينسي بعضه بعضا هذا توجيه من عائشة - رضي الله عنها - لأحد تلامذتها والمستفيدون منها عبيد بن عمير كان واعظاً صالحاً يؤثر في الناس دخلت امرأةٌ مرة على زوجها، وكانت من أجمل نساء مكة، فقالت له: متدللة بجمالها على زوجها وكان من الأغنياء في مكة قالت يا فلان أتظن أن أحد يرى هذا الوجه ولا يعشقه أو لا يفتن به من غرورها بنفسها، قال: نعم واحد، قالت: من هو قال: عبيد بن عمير، قالت: والله لأذهبن إليه ولأفتننه ما يصل إلى الحرام ولكن تريد أن تبين له أن كذا فأتت إليه، وهو يعض في صحن الكعبة فلما انتهى، قالت: انى كانت طبعاً لا يظهر منها شيء وتزينه إن لي إليك حاجة فاختر أي سارية من سواري الحرم لأعرض عليك حاجتي، فقال اذهبي اختاري أنت، فذهبت وذهب إليها فلما قابلها كشفت عن وجهها وعن بعض بدنها، فنظر إليها ثم أطرق، فقالت: يا عبيد بن عمير إني مفتونة بك، واني أريدك، وهي غير صادقة، ولكن تريد أن تبين جمالها وفضلها عند زوجها، فنظر إليها عبيد، ثم قال لها: يا فلانة، أو يا أمة الله في الحرم لا يصلح، ولكن أواعدك في مكان آخر،فقالت لك ذاك، قال: اختاري المكان، قالت: نعم، قال: إذاً موعدنا إذا تطايرت الصحف فآخذ كتابه باليمين وآخذ كتابه بالشمال، فهناك أعطيك ما تريدين، فقالت: يا عبيد ما هذا بالمكان، إذاً إذا وضعت الموازين فهناك من تثقل موازينه وهناك من تخف موازينه، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون قالت يا عبيد بن عمير ما هذا بالمكان قال: إذاً إذا وضع الصراط على متن جهنم والناس يمرون عليه والظلمة دامسة فمن ماض ومن مكردس في النار، فقالت: ما هذا بالمكان، فقال: أين المكان إذاً، قالت: يا عبيد بن عمير الموعد الجنة، ورجعت إلى بيتها فتركت ما كانت عليه، وتابت إلى الله، فنظر إليها زوجها بعد ما تغيرت في هذا الحال، وقال: حسبي الله على عبيد بن عمير أفسد علي زوجتي، صلاح السلف في الوعظ وفي الدعوة في القول والعمل صلاحهم في البذل يعلم الله صدقهم في ذلك لا يخالف ظاهرهم باطنهم وإنما يفعلون ما يفعلون لله - جل وعلا - فصلحوا وصلح الأمر بهم.
فالداعية إلى الله المعلم الواعظ من بذل في أي سبيل عليه أن يكون متبعاً للسنة متقياً لله - جل وعلا - في ذلك ينفع الله به الناس، الإمام مالك سئل بعيب عيب عليه، وقيل: أنت مالك الذي تشد إليك أباط الأبل ويرحل إليك الناس لا نراك تفعل كذا ولا كذا، ولا تجاهد في سبيل الله، فقال: مالك بن أنس - رحمه الله - مبيناً شمولية النظرة لواجبات الدعوة إلى الله - جل وعلا - وواجبات الإسلام، فقال: يا هذا إن من الناس من فتح الله له بعد باب الجهاد، ومنهم من فتح له باب العبادة، وباب الصلاة، ومنهم من فتح له باب الصدقة، ومنهم من فتح له باب الحج والعمرة يعني بذلك النفل، ومنهم من فتح له باب الصيام يعني النفل ومنهم من فتح الله له باب العلم، وأنا ممن فتح الله لي باب العلم، فرضيت بما فتح الله لي، يعني بذلك أن سبيل الخير ونشر الدعوة التكاملي لا يتصور أنه لابد أن نكون جميعاً على شيء واحد وأن نكون نسخة واحدة مكررة ولكن كلٌ في مجاله بحسب تنوع السلف في أعمالهم، ويعين بعضنا بعضاً على الخير وينهي بعضنا بعضاً عن الشر، الإمام أحمد كان من أئمة الإسلام العظام، بل كان في عصره إمام أهل السنة والجماعة في عصره بلا منازع - رحمه الله تعالى - كان بذله في ذلك السبيل في الدعوة إلى الله - جل وعلا - بذلاً عظيماً.
هذا بعد هذه الجولة السريعة فنختتم بشيء مهم، وهو أن الدعوة إلى الله- جلا وعلا - تحتاج منا إلى بذل ولو قليل لا يقول أحد كيف أدعو قال العلماء الدعوة بحسب العلم، العلماء هم الدعاة، لكن من علم شيئاً دعا بحسب ما علم، علم شيئاً بدليله بكلام أهل العلم يدعو بحسب ما علم ولهذا جاء معرض وسائل الدعوة لكي يتيح للناس على اختلاف طبقاتهم من الكبار والصغار، ومن الرجال والنساء التعرف على وسائل كثيرة للدعوة يمكن أن تحملها معك، يمكن أن تحمل معك كتاباً يسيراً يناسب طبقات مختلفة، يمكن أن تحمل معك شريطاً، يمكن أن تحمل معك شريط كمبيوتر، يمكن أن تحمل معك اسماء مواقع في الانترنت، يمكن أن تحمل معك اشياء كثيرة من وسائل الدعوة لا تعرفها وانت في بيتك كثير من الناس يرغب أن يكون له البذل وله العمل في الدعوة خاصة في فترة الصيف، لكن كيف يعمل وطن نفسك على أن تكون باذلاً في الدعوة ولو قليلاً، أتاني أحد الناس العام الماضي وقال أريد أن اسافر في سياحة إلى بعض البلاد ماذا تنصح الدعوة، قلت النصيحة أولاً تقوى الله - جل وعلا - في كل حال، ثم احرص على أن تبلغ الدعوة، أو تنشر الدعوة ولو ربع ساعة في اليوم كيف، هيئ زادك، الداعية لابد له من سلاح، ولابد له من زاد، استعد خذ معك الكتب المناسبة الاشرطة المناسبة، زر مركزاً اسلامياً في اليوم مرة في الاسبوع مرة، قم بالتعاون مع الناس اعمل ابذل إلى آخره زارني هذه السنة من ثلاثة اسابيع، وقال ربع ساعة تلك فكرت فيها، ولكن يجعلني استعد أكثر واكثر، حتى أحببت أن أكون من الدعاة إلى الله - جل وعلا - وهذا واقع الدعوة محبوبة تشرح النفس وتبعث في النفس العزة والكرامة، وتبعث في النفس القوة، تبعث في النفس حب الله وحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنك إذا اعطيت للخير وفي الدعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انقلب ذلك بإذن الله - جل وعلا - عليك ثباتاً وعزة وتمسكاً بالحق لكن إذا اخليت نفسك وعفة، الانسان يضعف والمرء يجب أن يحرص على الخير فهذا المعرض من فوائده أن تتعرف على وسائل الدعوة المختلفة المشروعة مما كان على عهد السلف، ومما هو موجود في هذا الوقت ووسائل الدعوة منها ما هو مشروع ومنها ما هو ليس بالمشروع، ولا يلزم أن تكون الوسيلة موجودة في زمن النبوة، أو في زمن السلف الصالح، لأن الوسائل احكامها ترجع إلى المصالح المرسلة كما قال أهل العلم،
والبدع تدخل في المقاصد، والمصالح المرسلة تدخل في الوسائل، لكن هنا منها وسائل مشروعة وغير مشروعة، كما قال الإمام أحمد في التغبير وفي غيره، فإذا كانت الوسيلة مشروعة فلنحرص عليها وليعد المرء عدته لكي ينشر الدعوة في بيته وفي مجتمعه وفي سفره وحضره فإن ذلك خير لنا جميعاً في ديننا ودنيانا، واعظم لأجور الجميع، أسأل الله - جل وعلا - أن يوفقنا واياكم لما فيه الخير والسداد.
|