لم أكن ولا أحسب أنَّني سوف أكون من مريدي الأسواق، ولولا بشريّتي وما تتطلبه من الاحتياجات التي تُعين على الحياة الطبيعية، ربَّما لم يكن لي معرفة بها... غير أنَّني في مرَّاتي القليلة التي أذهب فيها إلى بعض الأسواق أُلاحظ ما لا يجعلني في اطمئنان وعلى وجه الخصوص في الوقت الراهن... إذْ يلاحظ الجميع أنَّ غالبية من في الأسواق هم من الشباب والشابات، وحيث لم تكن عليه أسواق الماضي على ما هي عليه الآن من المظاهر والظواهر، فقد كان «كبار» الأسرة من الرجال والنساء هم من يقضون حاجات أفراد الأسر... أما الآن فقد أصبح كلٌّ يغني على ليلاه... وكلٌّ ينشد «مبتغاه»!
وصار الشباب بجنسيهم هم رواد المتاجر، والشوارع، والمحال، بل المطاعم...
ولا اعتراض كلياً على الأمر...
غير أنَّ الملاحظ أن هؤلاء الصغار بخبراتهم، وتجاربهم، قليلو الخبرة والوعي تجدهم في أماكن «التموينات» في الساعات التي يحتاجون فيها إلى العصائر أو الحلوى، أو اقتناء مجلة أو شريط!، بينما هم يملأون وتزدحم بهم كافَّة المواقع الأخرى. ما يلاحظ ويلفت النظر هو طريقة ملابسهم، ونقاشاتهم بأصوات مرتفعة وضحكاتهم بشكل غير لائق بذي أدب، إذ إنَّ للأسواق آدابها، وهي لقضاء الحاجة وليست للفسحة واللقاءات...
دفعتني إلى هذه السطور فكرة حادة طرأت في ذهني وحالي كلُّه أسف على ما أرى ممّا لا يريح أو يرضي، هذه الفكرة هي: هل نحن مقبلون على انشطار اجتماعي لا وسط فيه؟... هل سوف تكون لدينا فئة ناشئة تتحلَّل من كثير ممَّا يتمسك به الآباء؟ وهل سوف نكون مجتمعاً له وجه يمثله الجيل الجديد، وآخر يمثله من قَبَلهم؟
ولماذا لم نستطع الحفاظ على وجهنا الأصل؟ هل الانفتاح «الاقتصادي» الذي يغري بدعاياته وإعلاناته ومنتجاته استطاع أن يغري الأفكار وبالتالي السلوك لدى أهم الشرائح في المجتمع وهم الشباب المعوَّل للوطن؟... وهل قيمنا وأسسنا التربوية من الهشاشة بحيث يغدو «المظهر» الخارجي وربما الداخلي لمجتمعنا على ما نراه الآن في الأسواق؟... على الرغم من وجود الكثير من الشباب الملتزم الذي ندعو له بالهداية والثبات. إلاَّ أننا نأمل أن تكون هناك التفاتة جادة وحازمة من الآباء والأمهات كي يبقى لنا وجهنا المشرق في مستقبل أجيال الوطن الذين سيحلون مكاننا فماذا سيفعلون بالأمانة إن هم على شاكلة من يرتادون الأسواق ممَّن يقلدون في كلامهم وملابسهم وقصات شعورهم بل سلوكهم الكلي؟ ألا
|