كم صانَ أمنَ الناسِ دون كَلالِ
والأمنُ لا يأتي بلا استبسالِ
حملَ الأمانةَ وهو يعلمُ جازماً
أن الأمانة أثقلُ الأحمالِ
تعبت بذلك ركبتاه فما انحنى
وَهناً برغمِ جسامة الأثقالِ
أكرِمْ بتلك الركبتين لأنها
حملته بالغدواتِ والآصالِ
ليس الذي حملته فرداً واحداً
بل كان طودَ مناقبٍ وخِصالِ
يا أيها الجبلُ الذي ما هزّه
عصفُ الرياحِ وشدةُ الزلزالِ
أرسى بكَ الله البلادَ وأمنَها
والأرضُ لا ترسو بغيرِ جبالِ
إنْ هيَّجوا فِتناً قبضتَ رقابها
وعقلتَ أرجلَها أشدَّ عِقالِ
وتروِّضُ الأزماتِ حتى صرتَ في
ترويضها عَلَماً بغير مثالِ
بالصمتِ تعملُ في خطى موزونةٍ
لا تستحبُّ تفاخرَ المختالِ
إنَّ العظامَ وانت من أعلامِهم
لا يعشقون زخارفَ الأقوالِ
تركوا الفصاحة في الكلامِ لغيرهم
واستبدلوه فصاحةَ الأفعالِ
وإذا اللسانُ عن المباهاةِ انتهى
فلَسوفَ تنْطِقُ ألسُنُ الأعمالِ
من كان يطلبُ للأمير شهادةً
فليستمعْ لشهادة الأجيالِ
فالجدُّ لما قصَّ عن أيامِه
وشقائها والخوفِ والأهوالِ
أحفادُه ضحكوا عليه لأنهم
حسبوه نوعَ توهمٍ وخيالِ
ظنوا بأنَّ الشيبَ أعمى عقله
وكساه ثوبَ تخرُّفٍ وخبالِ
ما أدركوا أن البلاد بأسرِها
بالأمسِ تغرقُ في ثرى الأوحالِ
بالليلِ لا يضعُ الرجالُ سلاحهم
خوفاً على الأرواحِ والأموالِ
واليومَ ليلُ الناسِ مثلُ نهارِهم
لا خوفَ في سكَنٍ ولا ترحالِ
فعيونهم نامتْ بكلِّ سكينةٍ
من خلف أبوابٍ بلا أقفالِ
يمضي المسافر من تبوكَ لمكةٍ
عبْر الصحاري الجُرد غير مبالي
إنَّ الشهادةَ أننا في مأمنٍ
وجوارنا في فتنةٍ وقتالِ
أطفالنا يلهون دونَ مخاوفٍ
يجرون حولَ حدائقٍ وتلالِ
شهدتْ لكَ البسماتُ في أفواههم
وكَفَتْ شهادة بسمة الأطفالِ
من كان أحيا مسلماً فكأنما
أحيا جميعَ الناسِ دون جدالِ
كيف الذي أحيا البلادَ جميعها
بأنامها من نسوةٍ ورجالِ
كم فرَّجتْ كفاكَ من آلامِهم
وتعلقتْ بِنداك من آمالِ
كم جُدت للملهوف قبل سؤاله
فعطاءُ مِثلك ليس رهنَ سؤالِ
ينسابُ جودُك مثل نهرٍ جارفٍ
ويصبُّ من كفيك كالشلالِ
سيخلِّدُ التاريخُ أحرف نايفٍ
منقوشةً في صفحة الأبطالِ