قرأت بالأمس ما نسب إلى قائد القوات البرية الفريق حسين بن عبدالله القبيل ونشر بالجزيرة بالعدد 10842 ليوم الأربعاء 24/3/1423ه وفيه يقول «نفى قائد القوات البرية الفريق حسين بن عبدالله القبيل ل«الجزيرة» أن تكون هناك نية لدى القطاعات في وزارة الدفاع بغرض التجنيد الالزامي على الشباب في المملكة مؤكداً عدم وجود أية دراسة حول هذا الموضوع....».
وكنت أقرأ تصريحه وأنا افكر في مصير هؤلاء الشباب وهم يتسكعون في الشوارع والأسواق ومجموعة كبيرة قد تسربت من المدارس وأصبحت عالة على ذويهم وعلى المجتمع، وبدأت الجريمة الفردية تطل برأسها علاوة على ما نعانيه من خوف عندما نرى أحدهم وقد انطلق بسيارته بأقصى سرعتها متحدياً بذلك التعليمات غير مراعٍ المشاعر أو متجنب المخاطر، وها هي جريدة الجزيرة بعددها رقم 10833 ليوم الأثنين 15/3/1423هـ تفرد صفحة كاملة عن سرقات السيارات في الرياض وتقول بالعناوين الرئيسة «أعدادها في ازدياد والكرسيدا والكامري الأكثر تعرضاً للسرقة. سرقة 3341 سيارة خلال عام في مدينة الرياض...» فلابد أن تدرس الأسباب، فالشباب والفراغ والبطالة هي التي تدفع الشباب إلى هذا العمل نعود إلى«التجنيد الإلزامي» أو «التجنيد الإجباري» كما كنا نسمع به وهذا ليس وليد الساعة أو اليوم بل هو موضوع سبق أن نوقش وطرح على بساط البحث في الصحافة منذ أكثر من خمسة وأربعين عاماً وسوف استعرض بعض الشواهد والمستندات التي وجدتها رغم أن هناك الكثير الذي لم اطلع عليه فمثلاً.
1 جريدة أخبار الظهران في عددها 34 الصادر يوم 29/4/1376ه، ديسمبر 1956م تنشر مقالاً بقلم مدير مرور الظهران محمد أحمد فقي بعنوان «آراء.. وخواطر التجنيد الإجباري. يقول بعد مقدمة طويلة «... وأشد ما نكون احتياجاً إلى الشباب السعودي ليكونوا جنوداً وضباطاً يساهمون بنصيبهم في خدمة الوطن.. ويؤدون ضريبته المفروضة.. وقد يوافقني عليه الكثير من شبابنا ورجالاتنا الأمناء المخلصين، قانون عاجل للتجنيد الإجباري العام في جميع أنحاء المملكة دون تفرقة أو تمييز، وليس هذا بالاقتراح الجديد، أو من عمل اليوم.. أو يخالف الشريعة.. وقد أكون مصيباً إذا قلت انه عمل محثوث عليه.. بل واجب محتوم، وأجدادنا وآباؤنا من قبل اخذوا بمبادئ هذا العمل وتاريخنا العربي والإسلامي خاصة حافل بالأدلة والشواهد.. فنحن نعرف أن الاسلام كان يجند رجاله.. وان الدين يفرض على المسلم الدفاع عن دينه وكرامته خاصة إذا كان المعتدي مشركاً ظالماً.. إذاً فالتجنيد الإجباري عمل قديم.. وسنة اتبعها الإسلام.. ونحن والحمد لله عرفنا باحياء السنن وإقامة الشرائع.. فهل هناك ما يمنع ذلك؟... والجندية ليست إلا ميداناً للشرف والمجد وأداء الواجب المقدس في شرف وإخلاص ووفاء» واختتم كلمته بقوله «... وانني أعرف أن وزارة الدفاع ستأخذ بهذا الرأي إن لم تكن قد أخذت به فعلاً. وكل ما أهدف إليه من الكلمتين السابقتين هو مصلحة الأمة وتقديم شيء مما تفرضه علينا واجباتنا نحو مليكنا وبلادنا وعروبتنا.. وأرجو الله أن يوفق الجميع..»
2 وها هو حسن عبدالحي قزاز رئيس تحرير جريدة البلاد يفتتح العدد «151» من السنة الأولى من البلاد في 27 محرم 1379ه الموافق 12 أغسطس 1959م تحت عنوان «كلمتنا.. اشغلوا فراغ الشباب بالتدريب العسكري» فيقول«... واليوم وفي بلادي تصم آذاني.. وفي مكتبي تزدحم الرسائل التي تشكو.. تشكو من الفراغ.. فالطلبة يطلبون تهيئة مكتبات ليقضوا فيها فراغهم.. أو افتتاح دورات صيفية وكشفية في كل بلد حيث يذهب إليها أبناؤها..
ووزارة المعارف لا شك أن لديها دراسات لتحقيق هذه الرغبات وإلى جانب هذا أود أن أدلي برأي مجرد رأي لأني لا أملك غيره.
وهو أن يتفضل صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سعود بصفته وزيراً للدفاع والطيران.. بدراسة فكرة إنشاء معسكرات لتدريب الشباب على الفن العسكري في كل المدن التي بها مناطق تتبع الوزارة.. فالمهم هو أن يستفيد شبابنا استفادة مزدوجة.. أولاً التمرس على العمل العسكري.. وثانياً التعود على الرجولة الخشنة العسكرية.. فإنني انتظر اليوم الذي يردني فيه إعلان من وزارة الدفاع يستدعي الشباب إلى معسكرات التدريب.. يومها سوف لا أطالب الوزارة بأجرة الإعلان، بل سأزيد على ذلك بأن اصطحب أولادي إلى مقر التسجيل بجدة. لينخرطوا في هذا السلك المشرف الكبير..».
وفي العدد التالي «152» يكتب سليمان قاضي قائلاً« قال لي رئيس التحرير سوف تذهب إلى ميدان التدريب العسكري وكنت أتحدث إليه عن عنوان كلمتنا «اشغلوا أوقات فراغ الشباب بالتدريب العسكري»... فقلت له اني سأسبقك فأنا أولاً أصغر منك سناً.. حتى أصحاب المهن يجب أن يتدربوا فإن التدريب غير مقصور على الشباب من الطلبة ان التدريب يشمل جميع الطبقات كما هو في أوروبا وأمريكا ومعظم بلدان العالم.. إن كابوس الفراغ المخيف الذي يزحف على الوقت الذي هو أثمن من الذهب فيلتهمه ينبغي أن نطرده من الآن.. فلنبدأ بزحزحته «من القهاوي»..».
واختتم كلمته بقوله «.. وبحسبة بسيطة نجد أن الفراغ يلتهم من أوقاتنا حوالي 4 آلاف ساعة في العام .. فكم يلتهم من النقود.. بينما ساعات الفراغ عند غيرنا من الشعوب تعد على الأصابع.. وهو تعبير مجازي بين ساعات العمل وساعات التدريب.. حيث لا فراغ بالتعبير الحرفي لهذه الكلمة الجوفاء.. وساعات الفراغ الحقيقية عندهم هي ساعات النوم فقط!!
فمتى نسمع قعقعة السلاح بين سواعد الشباب في ميادين التدريب.. إن تنفيذ الفكرة وأعتقد أنها ستنفذ بالتضامن مع وزارة المعارف ووزارة الدفاع وانا لمنتظرون».
3 ونقرأ في العدد «158» من صحيفة البلاد 6/2/1379ه تحت عنوان «صدى دعوةالبلاد إلى التدريب العسكري في نفوس الشباب والقراء بقلم: عبدالوهاب عبدالله الزبير قائلاً« سررت جداً حول كلمة الأستاذ حسن عبدالحي قزاز ورأيه الذي أدلى به كاقتراح حول موضوع شغل أوقات فراغ إخواننا المواطنين الشباب بالتدريب العسكري.. فنظام التدريب العسكري أو التجنيد الإجباري له فوائد جسمية وعقلية تعود على شبابنا بالنفع فالعقل السليم في الجسم السليم، فنرى أن لهذه التدريبات فوائد عقلية وجسمية ان لها نصائح دفاعية عن النفس وبالأخص أن شبابنا لا يعرف مسك أي سلاح ناري أو ركوب الخيل والسباحة مثل إخوانهم من الدول العربية الأخرى كالكويت والعراق.. وأعود واسترسل في قراءة كلمة الأخ حسن عبدالحي قزاز فأرى بأن للتدريب العسكري فوائد جمة منها التمرن على التدريب العسكري والرجولة الخشنة غير الناعمة السائبة على نفسها.. سأدافع عن بلادي بسلاحي وسأدفع دمي حماية لها وصوناً لاستقلالها فهذه في الحقيقة أمنية جميلة، يتمناها كل مواطن سعودي لا ليدافع عن وطنه فحسب بل ليدافع عن أية دولة عربية يقع عليها أي عدوان غادر غاشم..».
كما يعلق في نفس العدد محمد أحمد با حارث قائلاً «... فتجنيد الشباب من جميع الطوائف الطالب والأستاذ والموظف والتاجر وحتى العامل لأن في ذلك ما يشيع في النفوس العزيمة والإقدام..».
4 ونقرأ أيضاً لعبدالله بن عبدالمحسن الجماز بجريدة اليمامة العدد 282 في 3/2/1381ه بعنوان «تجنيد الشباب » قائلاً «إن في تجنيد الشباب وتدريبهم على استعمال الأسلحة فوائد جمة نذكر بعضها فيما يلي:
1 نخلق به شباباً أقوياء مستعدين للقاء العدو في أية لحظة.
2 القضاء على مشكلة الفراغ التي تفتح أبواب جل المشاكل فالشباب الفتي إذا لم يجد ما يعمله لابد أن ينحرف ويقضي وقته في التسكع في الطرقات والجلوس في المقاهي ولعب الورق.
3 تقضي على ميوعة الشباب ورقته التي بدت بوادرها تظهر في مجتمعنا.. وأخيراً ثقتي كبيرة في المسؤولين في وزارة الدفاع ووزارة المعارف ومن يهمه الأمر والأمل جد وطيد في أن ينظروا إلى هذه الفكرة نظرة إيجابية».
هذا الكلام السابق ذكره مضى عليه أكثر من 45 عاماً، أما ما سأورده فيما بعد فله قرابة العشرين عاماً، فقد قرأت في كتاب «الفكر التربوي لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود» ط1، 1421هـ. الناشر الوكالة الأهلية للإعلام نبراس، ص 61 وتحت عنوان «لقاء خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز مع طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في 18/11/1403هـ فقد ورد في الصفحة 68 وتحت عنوان «التجنيد الإجباري» سؤال وجّه لجلالته «ما هو رأي جلالتكم في التجنيد الإجباري وهل لدى جلالتكم نية في الأخذ بذلك في المملكة العربية السعودية؟
ج التجنيد الإجباري في الواقع يمكن تكون كلمة قاسية بعض الشيء لأنني أعتقد أي مواطن سعودي هو دائماً يهب نفسه للدفاع عن عقيدته الإسلامية وعن وطنه بأي الطرق والوسائل التي تمكن المواطن من أن يكون على استعداد في حالة لا سمح الله أن يبتلى الوطن بأي اعتداء من أي نوع أو من أي جهة فلا أعتقد أن المواطن يريد أن يدفع إلى هذا أو من يقنعه بذلك لأنه في تصوري سواء كان في الحاضرة أو في البادية هذه طريقتنا في الحياة من قديم.. الدفاع عن العقيدة والدفاع عن الوطن جزء منا.. إنما الأسلوب كيف يمكن أن نصل إلى هذا الهدف هذا يدرس حالياً دراسة متكاملة.. ونأمل أن نصل إلى هذه النتيجة التي سأل عنها السائل في وقت قريب ويمكن التأخير في ذلك بعض الشيء لنصل إلى تحقيق الهدف بالطريقة التي تجعل المواطن نفسه يؤدي خدمة للدين الإسلامي ولوطنه لأن الدفاع عن العقيدة والدين واجب من الواجبات ولذلك هذا الأمر يدرس بعناية كيف نصل إلى النتائج التي يرغب المواطن في أن يصل إليها وترغب الجهات المعنية في هذا الأمر في ظروف محببة للنفوس.
قد يجوز في بعض الأحيان فيه من يريد ألا يرغب لكن في اعتقادي أن تكون هذه قلة لأن هذا شرف لمن يؤديه ووقته محدود وبطبيعة الحال فإن الدولة سوف تجند جميع المواطنين لكن يمكن القصد من هذا النظام هو أن يعلم المواطن ما جدَّ من أسلحة حديثة وكيفية وطريقة استعمالها ومتى تستعمل حتى يكون على استعداد لا سمح الله إذا أتت ظروف معينة يمكن أن يفيد وطنه في الدفاع عن عقيدته وعن وطنه وأرجو أن نصل إلى هذه النتيجة في وقت قصير».
وهل بعد هذا الكلام من أعلى مسؤول في الدولة يأتي قائد القوات البرية لينفي وجود أي دراسة لديهم حول هذا الموضوع. إنه لشيء محبط بل ومؤلم أن نرى شبابنا يلجؤون إلى أعمال قد تقودهم إلى حتفهم بسبب عدم ملء فراغهم وإخضاعهم لعمل يعيد تأهيلهم وترويضهم وتدريبهم لما يعود عليهم وعلى وطنهم بالفائدة. وهذه السن الخطيرة الشباب والمراهقة والفراغ إذا ما اجتمعت فستكون معول هدم للمجتمع فهل من علاج يا تُرى؟.
لا يمكن أن تتولى العلاج جهة واحدة إذا ما تكاتفت مؤسسات الدولة المعنية معاً ودرست المشكلة بشكل جاد. فلابد من الوصول إلى الحل ونحن لا نبدأ من الصفر.. بل في تجارب الدول الأخرى خير دليل ومعين. ويجب أن نعترف بالحقيقة المرة أن من أسباب تفشي ظاهرة «التفحيط» هو الفراغ وعدم وجود التربية العسكرية التي ستعيد الشاب إلى رشده وإلى الطريق الصحيح.
فلنقرأ ما يقوله مدير إدارة دوريات الأمن بمنطقة الرياض في جريدة الرياض العدد 12212 الجمعة 15/9/1422هـ «لدينا من الآلية العملية ما مكنا من متابعة مواقع التفحيط والقبض على ممارسيه وهذا العمل بالنسبة للدوريات تكاملي مع المرور حيث ان المرور هو الجهة المختصة والمعنية بهذا ولكن الدوريات لها مساهمة فعالة جادة في متابعة هذه الممارسات والقضاء عليها فهي في الحقيقة مهدرة للأرواح والأموال. كما أن ممارسها يلقي بنفسه وغيره إلى التهلكة وهذا شيء غير مستحب...».
وهذا المواطن حمد الفراج يكتب في الجزيرة العدد «10655» يوم الجمعة 15/9/1422هـ «... وهو ما يسبب الإزعاج للناس ويلحق بهم الأضرار ومخاطر بسبب التفحيط العشوائي في أماكن لا يمكن أن تكون صالحة لذلك..» ويشيد بالبادرة الطيبة التي أعلنت عنها شركة عبداللطيف جميل «تايوتا» وهي تنظيم مسابقة للمفحطين في جميع مناطق المملكة ثم اختيار أفضلهم للمشاركة في الراليات والسباقات العربية والعالمية..». وبعده يكتب عبدالمحسن يوسف بالجزيرة في 16/9/1422هـ «المفحطون أزعجونا».
وهذه الكاتبة نجوى هاشم تطالب بالرياض في 8/10/1422هـ بنادٍ للتفحيط.. كل هذا بسبب عدم وجود خطة أو مفهوم لاستغلال وتوجيه الشباب لما فيه خير ومصلحة وفائدة للجميع. وختاماً أرجو من كل قلبي أن يعيد المسؤولون النظر في أهمية إقرار التجنيد الإلزامي ودراسته بشكل جدي فمن نتائجه سنساهم في بناء المواطن الصالح المفيد لوطنه ومجتمعه وسنغرس فيه الرجولة والصلابة من خلال الجد والاجتهاد وسنشجعه على الإلمام ومعرفة كيفية حماية نفسه ووطنه ومجتمعه في حالة الخطر لا قدر الله وذلك بتدريبه على استعمال السلاح الخفيف وتعويده على الحياة الخشنة الشريفة وابتعاده عن الميوعة والتسكع غير المجدي.
في الدول الأخرى نرى الشباب من خلال التجنيد العسكري يقومون بأعمال الخدمة العامة من تنسيق أشجار أو رصف شوارع وبناء مساكن أو إقامة سدود وكبارٍ وغيرها.. فشبابنا لديهم الاستعداد فقط يريدون التوجيه والأخذ بأيديهم إلى الطريق الصحيح.. وهاهي العطلة الصيفية قد بدأت .. ومشاكل الشباب المعتادة عادت لتطل علينا.. فهل من علاج ناجع لتقويم المعوج.. والله الموفق.
محمد عبدالرزاق القشعمي |