كتبها - مروان عمر قصاص
يعتبر المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة المركز الرئيسي للمدينة ومحور الحياة فيها حيث تفد إليه جموع المصلين على مدار اليوم والليلة لأداء الصلوات الخمس في رحابه الطاهرة ويتزايد عدد رواد هذا المكان في مواسم الحج والعمرة حيث تفد وفود الزوار والعمار من شتى أقطار المعمورة للتشرف بزيارته والصّلاة فيه وقد حظي هذا المسجد باهتمامات كبيرة من قيادة هذه البلاد منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله وحتى هذا العهد الزاهر الميمون عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله الذي أحدث نقلة كبيرة وغير مسبوقة في توسعة وتجديد عمارة المسجد النبوي الشريف حيث تعتبر التوسعة الفهدية أكبر توسعة على مر التاريخ تشهدها أروقة هذا المسجد الطاهر.
التأسيس:
لقد بدأ التأسيس في السنة الأولى من الهجرة وبعد عدة أيام من الهجرة المباركة حيث قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء هذا المسجد الشريف وكانت مساحته حوالي« «1060» مترا وبطول «35» مترا وعرض «30» مترا، واشتمل بناءه على «18» عامودا، وكانت عدد أروقته ثلاثة فقط وارتفعت جدرانه البسيطة بارتفاع مترين تقريبا وكانت تتم إضاءته بمشاعل من جريد النخيل الذي تشتهر به المدينة المنورة وقد تم التأسيس على يد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى قباء إحدى ضواحي المدينة المنورة، مهاجراً من مكة المكرمة في 12 ربيع الأول، من عام 622م كما جاء في كتب التاريخ حيث مكث في قباء عدة أيام، ثم توجه على ناقته القصواء إلى المدينة المنورة تحفه جموع المسلمين من المهاجرين والأنصار، فبركت الناقة في أرض ليتيمين من بني النجار تقع في وسط المدينة، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما وكان في الأرض قبور للمشركين وخِرب ونخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البقعة لتكون مسجداً يجتمع المسلمون فيه لأداء صلواتهم وعباداتهم، وشرع مع أصحابه في بنائه، فاستغرق ذلك عدة شهور، وكان اتجاه القبلة يومئذ إلى بيت المقدس في الجهة الشمالية منه وقد تم بناء المسجد من اللَّبِن وسعف النخيل، وأما سقفه فمن جذوع النخل وكان للمسجد عدة أبواب منها الباب الأول: في الجهة الجنوبية، والباب الثاني: في الجهة الغربية، ويسمى باب عاتكة وهو ما يعرف بباب الرحمة والباب الثالث: من الجهة الشرقية، ويسمى باب عثمان وهو ما يعرف حاليا بباب جبريل.
تحويل القبلة:
* وكان ذلك حسب أغلب الروايات في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة.
ويروى أن ذلك كان في صلاة ظهر، وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ركعتين، فلما نزلت آية تحويل القبلة استدار مع المسلمين تجاه الكعبة وصلى الركعتين الباقيتين، وكانت صلاة العصر من هذا اليوم أول صلاة كاملة صلاها تجاه الكعبة المشرفة.
توسعة المسجد:
لقد مرت على المسجد النبوي الشريف العديد من التوسعات في عدة عهود وكانت أول توسعة للمسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك في السنة السابعة من الهجرة وكان مقدار الزيادة «1415م2» حيث أصبح طول المسجد «50م» وعرضه «5 ،49م» وبهذه التوسعة أصبحت المساحة الكلية للمسجد النبوي الشريف «2475م» وأصبح ارتفاع الجدران «50 ،3م» وعدد الأبواب ثلاثة وعدد الأعمدة «35» عاموداً وقد أتم الرسول هذه التوسعة بعد عودته من غزوة خيبر.
وكانت التوسعة الثانية للمسجد النبوي الشريف في عهد الخليفة عمر بن الخطاب في السنة السابعة عشر من الهجرة وكان مقدارها «1100م2» لتصبح المساحة الكلية للمسجد حوالي «3575» مترا مربعا وارتفعت جدران المسجد إلى «50 ،5م» وعدد الأروقة ستة أروقة وعدد الأبواب ستة أبواب وعدد الأعمدة «44» عامودا، وتمت إضاءة المسجد بالأسرجة التي توقد بالزيت.
وأحدث الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه التوسعة الثالثة في السنة التاسعة والعشرين وكانت مساحة الزيادة «496م2» لتصبح مساحته الكلية «4071م2».
ونفذ الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك توسعة أخرى نفذها عمر بن عبدالعزيز أمير المدينة في ذلك الوقت في العام 88 ـ 91هـ وكان مقدارها «2369م2» لتصبح المساحة الكلية للمسجد «6440م2» وأصبح ارتفاع جدرانه «50 ،12م» وأصبح عدد الأروقة «17» والأبواب أربعة وعدد المآذن أربعة وارتفاعها ما بين «50 ،27 ـ 30م» وعدد الأعمدة «232».
وفي سنة 161هـ بدأ الخليفة المهدي العباسي العمارة والتوسعة الخامسة للمسجد النبوي وكان مقدار هذه التوسعة «2450م2» لتصبح المساحة الكلية «8890م2» وارتفاع الجدران «50 ،12م».
العمارة بعد الحريق الأول:
تعرض المسجد النبوي الشريف للحريق الأول أول رمضان سنة 654هـ في عهد الخليفة العباسي المستعصم ولما علم الخليفة بذلك بادر سنة 655هـ بإصلاح المسجد وإعادة إعماره وأرسل الأموال اللازمة لذلك، ولكن البناء لم يتم بسبب غزو التتار وسقوط بغداد سنة 656هـ فتولى الأمر بعد ذلك السلاطين المماليك في مصر، فتمت عملية البناء والترميم سنة 661هـ، وعاد المسجد إلى ما كان عليه قبل الحريق.
أحداث هامة:
شهد المسجد النبوي العديد من الأحداث البارزة التي يمكن حصرها فيما يلي:
عمارة المسجد وتوسعته في عهد السلطان المملوكي الأشرف قايتباي في الفترة 886 888ه ومقدار التوسعة «120م2».
عمارة المسجد وتوسعته في عهد السلطان العثماني عبدالمجيد في الفترة 1265 1277ه وكان مقدارها «1293م2» لتصبح مساحته الكلية «10303م2».
التوسعة في الدولة السعودية المجيدة:
لقد بذلت الدولة السعودية جهودا كبيرة في عمارة وتوسعة المسجد النبوي الشريف وكانت البداية في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله الذي بدأ التوسعة السعودية الأولى في الفترة 1370 1375ه وكان مقدارها «6024م2» لتصبح المساحة الكلية «16327م2» وكان ارتفاع الجدران «55 ،12م» وعدد الأروقة 14 وعدد الأبواب عشرة منها ثلاثة بثلاث فتحات وعدد المآذن «4» وعدد الأعمدة الجديدة «706» وعدد القباب «170» وتمت إنارة المسجد بمحطة خاصة لإضاءة المسجد النبوي بلغ عدد المصابيح «2427» مصباحاً.
وتم إنجاز إضافات مؤقتة في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله وذلك في عام 1393هـ حيث أضيفت مساحة 550 ،40م في الجهة الغربية الخارجية للمسجد على مرحلتين الأولى: 000 ،35م2، والثانية: 550 ،5م2 وأقيمت عليها مظلات من الألياف الزجاجية «فيبرجلاس» لتكون مصلى إضافياً في أوقات الذروة وخاصة في أوقات الحج والزيارة وشهر رمضان.
وفي عهد الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله تم تحقيق إضافات جديدة في سنة «1398هـ» وفي 18 رجب عام 1397هـ خصص الملك خالد الأرض الواقعة في الجنوب الغربي من الحرم النبوي الشريف لخدمات المصلين والزائرين، حيث أقيم على قسم منها مظلات للصلاة تحتها، والمساحة الباقية جعلت مواقف لسيارات المصلين والزائرين. وبلغت مساحة هذه الأرض 43000م2.
التوسعة في عهد خادم الحرمين الشريفين:
لقد شهدت ساحات المسجد النبوي الشريف في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله «التوسعة الكبرى» والتي استغرقت الفترة 1405 1414ه وكانت أكبر توسعة في التاريخ حيث بلغت مساحة التوسعة «000 ،82م2» ومساحة الساحات الخارجية «000 ،235م2» ومساحة السطح «000 ،67م2» لتصبح المساحة الكلية للتوسعة «000 ،384م2» وقد أشرف الملك فهد على هذا المشروع بعد أن تأكد رعاه الله من ضرورة تنفيذه خاصة بعد التغيرات الكبيرة التي طرأت على عالمنا الإسلامي على صعيد النمو السكاني والنمو الاقتصادي والوعي الديني والتي أدت إلى تضاعف أعداد الزائرين تضاعفاً كبيراً ضاق بهم المسجد الشريف، أصدر خادم الحرمين الشريفين بعد الزيارة التي قام بها إلى المدينة أمره الكريم بوضع التصميمات لتوسعة ضخمة للمسجد النبوي الشريف، لتستوعب الزيادات الطارئة والمتوقعة في الأعوام القادمة.
وفي يوم الجمعة 1405هـ قام خادم الحرمين الشريفين بوضع حجر الأساس لهذه التوسعة وفي شهر محرم من عام 1406هـ كانت بداية العمل، واستمر حتى 4/11/1414هـ حين وضع خادم الحرمين الشريفين اللبنة الأخيرة في أكبر توسعة للمسجد النبوي الشريف والمثبتة بجانب المخل رقم «38» ومكتوب عليها «بسم الله وعلى بركة الله، تأسّياً برسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قام خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود بوضع آخر لبنة يوم الجمعة 4/11/1414هـ الموافق 15/4/1994م».
أرقام في التوسعة:
المساحة الكلية للمسجد «400327» متراً مربعاً وارتفاع الجدران «55 ،12م» وعدد الأبواب 85، وعدد المآذن «10»، وعدد الأعمدة الجديدة «5121» ليصبح المجموع الكلي للأعمدة «6000» عامود، وعدد القباب المتحركة «27» ليصبح المجموع الكلي للقباب في التوسعة «34»، وعدد المصابيح «21820»، وعدد الثريات والنجفات «305»، وعدد الساحات الداخلية «2»، وعدد السلالم «6» مجموعات كهربائية و«18» عادية، مع توفير مواقف سيارات تقع تحت الساحات الخارجية للحرم، وتتألف من دورين تستوعب «4500» سيارة.
وقد اشتملت توسعة خادم الحرمين الشريفين على ميزات عديدة منها الاستفادة من العمق الذي بلغ حوالي «5 ،4 متر لإنشاء بدروم بمساحة الدور الأرضي لاستخدامه في التجهيزات المعدة لتلطيف الجو وبقية الخدمات، واستخدام الأسقف المتحركة في تغطية 27 فناء طول ضلع كل منها 18* 18 مترا يتم فتحها وإغلاقها آلياً حسب الرغبة، توفير سلالم كهربائية لتسهيل وصول المصلين إلى السطح لأداء الصلاة وغير ذلك من المميزات الأخرى.
معالم المسجد النبوي:
يشتمل المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة على العديد من المعالم البارزة والتي يود كل مسلم التعرف عليها وسوف نحاول قدر المستطاع أن نلقي الضوء على أبرز هذه المعالم كما وردت في كتب التاريخ وفي العديد من المواقع الموثوقة.
الروضة الشريفة:
الروضة الشريفة هي الموقع الذي يحرص كل مسلم على الصلاة فيها وهي المكان الواقع بين بيت النبي صلى الله عليه وسلم حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها والمنبر الشريف. تبلغ مساحة الروضة نحو «330م2»، وقد أخذ الجدار الغربي للحجرة الشريفة جزءا منها. ويجد الزائر في الروضة وعلى أطراف الروضة للحرم النبوي الشريف معالم جليلة أهمها:
الحجرة الشريفة في الجهة الشرقية، ومحراب النبي صلى الله عليه وسلم في وسط جدارها القبلي، والمنبر الشريف في جهتها الغربية، وتنتشر فيها الأعمدة الحجرية، التي وضعت عليها خطوط مذهبة لتميزها عن سائر أعمدة المسجد، وكتب على بعضها ما يربطها بمناسبة تاريخية، وفي الجهة القبلية من الروضة حاجز نحاسي جميل، ارتفاعه متر، يفصل بينها وبين مقدمة المسجد، أقيم عليه مدخلان، يكتنفان المحراب النبوي. وكانت الروضة ولا تزال محل اهتمام ولاة المسلمين كما قامت حكومة المملكة العربية السعودية سنة 1404ه فكستها برخام أبيض مميز عن سائر معالم المسجد، وفرشت أرضها بالسجاد الفاخر، وعلقت عليها الثريات النفيسة. وللروضة الشريفة فضائل جليلة، جاءت بها الأحاديث الشريفة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي».
والمكتبة أحد المعالم الرئيسية في المسجد النبوي الشريف وتقع المكتبة داخل المسجد الشريف، وتتكون من عدة قاعات وأقسام رئيسية موزعة في أنحاء المسجد، على النحو التالي:
أولا: قسم المطبوعات: ويشمل عدة قاعات:
قاعة رقم «1»: تقع عند باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتضم علوم القرآن والتفسير والحديث.
قاعة رقم «2»: وتقع عند باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتضم علوم العقيدة والفقه والوعظ والسيرة النبوية.
قاعة رقم «3»: وتقع عند باب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتضم علوم الأصول والفرائض والفقه والثقافة الإسلامية.
قاعة رقم «4»: وتقع عند باب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتضم علوم اللغة والعلوم البحتة والأدب والتاريخ.
ثانيا: قسم المخطوطات:
ويقع عند باب عثمان رضي الله عنه، ويتكون من قاعة مختصة بالمخطوطات، وتوليه إدارة المكتبة كل عناية واهتمام من حفظ وصيانة وفهرسة.
ثالثا: قسم الدوريات والبحث والترجمة:
ويضم عددا كبيرا من المجلات والدوريات المختلفة.
رابعا: قسم المكتبة الصوتية:
ويقع في الجهة الغربية من الحرم الشريف عند باب رقم «12» ويضم هذا القسم أكثر من «25» ألف شريط، تشمل الأذان بأصوات المشايخ المؤذنين، والصلوات الجهرية لعدد من مشايخ الحرم، وبعض المصاحف المسجلة لأئمة الحرم الشريف، وخطب الجمعة، وصلاة التراويح في كل عام، وصلاة العيدين، ودروس حلقات المسجد النبوي الشريف، وغير ذلك.
خامسا: القاعة النسائية:
وتقع عند الباب رقم «24» في مصلى النساء الشرقي، وتضم أكثر الموضوعات الرئيسية بدءا من المعارف العامة وانتهاء بالتاريخ، حسب تصنيف ديوي المعدّل.
سادسا: القسم الفني.
سابعا: قسم الفهرسة والتصنيف.
ثامنا: قسم الحاسب الآلي.
تاسعاً: قسم التزويد:
ويقوم هذا القسم بإعداد قوائم للكتب التي تحتاجها المكتبة، ويتم التزويد بشراء الكتب اللازمة عن طريق الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، أو بالتبادل، وسيتم مستقبلا إنشاء مبنى كبير يستوعب جميع الأقسام إن شاء الله تعالى.
وقد تم تأسيس المكتبة إلى ما قبل عام 886هـ عندما احترق المسجد النبوي حريقه الثاني، واحترقت باحتراقه المكتبة بما فيها من النفائس والمصاحف والمخطوطات.
ثم أعيد تأسيسها رسمياً عام 1352هـ باقتراح من السيد عبيد مدني مدير أوقاف المدينة المنورة، على يد السيد أحمد ياسين الخياري رحمه الله، الذي أوقف عليها مكتبة والده، وعمل على تطويرها، حتى أصبحت من كبريات المكتبات العامة في المدينة المنورة ومن أكثرها رواداً، نظرا لموقعها المتميز داخل المسجد الشريف، ولأنها تفي بحاجة القارئين والدارسين من رواد المسجد.
المحاريب في المسجد النبوي الشريف:
المحاريب: جمع محراب، وهو في اللغة: صدر المجلس، والمكان الرفيع من الدار، ومنه أخذ المعنى الشرعي وهو: مكان وقوف الإمام للصلاة في المسجد.
وفي المسجد النبوي ستة محاريب:
الأول: المحراب النبوي، ويقع في الروضة الشريفة، تزينه الآيات القرآنية، وقطع ملونة من الرخام، في جانبيه عمودان من الرخام الأحمر، مكتوب في جانبه الغربي: «هذا مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم». أحدثه عمر بن عبدالعزيز في المكان الذي اتخذه صلى الله عليه وسلم مصلى له بعد أن حولت القبلة إلى الكعبة المشرفة.
وفي هذا العهد الزاهر أمر خادم الحرمين الشريفين بترميمه وإصلاحه، فتم ذلك عام 1404هـ .
المحراب الثاني: المحراب العثماني، ويقع في مقدمة المسجد في جدار القبلة، محلى بقطع من الرخام الملون، فوقه آيات قرآنية مكتوبة بخط الثلث النافر وهي في غاية الإبداع.
المحراب الثالث: محراب التهجد، ويقع في الجدار الشمالي للمقصورة وهو ما يعرف اليوم بالحجرة الشريفة وقد أقيم هذا المحراب في المكان الذي كان يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم التهجد.
المحراب الرابع: محراب السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ويقع في بيتها رضي الله عنها داخل المقصورة، خلف حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها، أمام محراب التهجد، مجوّف مرخم يشبه محراب النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه كسوة، لا يظهر إلا عند رفعها.
المحراب الخامس: المحراب السليماني أو المحراب الحنفي.
المحراب السادس: محراب شيخ الحرم، ويقع شمال دكة الأغوات بأربعة أمتار تقريباً، وكان إذا جاء رمضان وقف شيخ الحرم خلف إمامه الخاص ليصلي معه عند هذا المحراب التراويح، ثم دخل هذا المحراب بعد ذلك في محيط مصلى النساء فأصبح خاصاً بهن، يتقدمهن إمامهن الرسمي فيصلي بهن التراويح، ثم أزيل هذا المحراب مؤخرا.
الصفة:
الصفة: هي مكان في مؤخرة المسجد النبوي الشريف، في الركن الشمالي الشرقي منه، غربي ما يعرف اليوم بدكة الأغوات إلى الجنوب قليلاً وقد أمر به صلى الله عليه وسلم فظلل بجريد النخل، وأطلق عليه اسم الصفة أو الظلة.
وقد أعدت الصفة لنزول الغرباء العزاب من المهاجرين والوافدين الذين لا مأوى لهم ولا أهل حيث يقيمون في هذا المكان وكانوا يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر أو يجد عملاً فيتخذ لنفسه منزلاً.
وكان صلى الله عليه وسلم يجالسهم ويؤانسهم ويدعوهم إلى طعامه وشرابه، وكان الموسر من الصحابة يأخذ الواحد منهم والاثنين والثلاثة فيطعمهم في بيته، وكان أهل البساتين يأتون بأقناء الرطب فيعلقونها في سقف الصفة ليأكلوا منها.
وكان جل عمل أهل الصفة تعلم القرآن والأحكام الشرعية، من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ممن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فإذا جاءت غزوة خرج القادر منهم للجهاد فيها.
وقد اشتهر منهم عدد من الصحابة، من أبرزهم أبو هريرة رضي الله عنه، وقد روى عدة أحاديث عن حياتهم والمشقة التي كانوا يعانونها.
واتفقت معظم الأقوال على أن قريباً من أربعمائة صحابي تواردوا على الصفة، في قرابة تسعة أعوام، حيث كان يجتمع فيها في وقت واحد الستون والسبعون، يقلون أحياناً ويكثرون أخرى، إلى أن جاء الله بالغنى، وذلك قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
مآذن المسجد النبوي الشريف
أول مئذنة في المسجد النبوي الشريف:
يرجع تاريخ المآذن في المسجد النبوي الشريف إلى ما بين عامي 88 91ه حين أوعز الخليفة الأموي الوليد بن عبدالعزيز إلى واليه على المدينة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله بإعادة بناء المسجد الشريف، وتشييد مآذن على أركانه الأربعة، إذ لم تعد أسطحة المنازل تلبي الحاجة في إعلام المسلمين بوقت الصلاة، ومن حينها ظلت المآذن في المسجد الشريف جزءاً مهماً منه، يتسابق الملوك والسلاطين في تجديدها وإعمارها، تسابقهم في تجديد المسجد وإعماره.
حوادث على المآذن:
شهدت بعض المآذن في المسجد النبوي الشريف بعض الحوادث منها ما يلي:
في عام 96ه هدمت المنارة الجنوبية الغربية، وذلك بسبب إطلالها على بيت مروان بن الحكم وهو منزل بني أمية في المدينة وكان ذلك حين حج سليمان بن عبدالملك في العام المذكور فأطل المؤذن عليه في بيته، فأمر سليمان بهدم هذه المئذنة، فهدمت حتى سويت بظهر المسجد، فأعاد السلطان المملوكي الناصر بن محمد قلاون إعمارها سنة 706ه.
في عام 886ه أصيبت المئذنة الجنوبية الشرقية «الرئيسة» بصاعقة، فأعاد السلطان الأشرف قايتباي بناءها، وجعلها على هيئة المآذن المملوكية، ثم أعاد بناءها ثانية عام 891 892ه عندما ظهر شرخ فيها، وجعلها بارتفاع 60ه، وأضاف مئذنة خامسة بالقرب من باب الرحمة.
في عام 898ه أصابت صاعقة أخرى جانباً من المئذنة الجنوبية الشرقية أيضا تناثر منها بعض الحجارة، فأمر السلطان قايتباي بإصلاح ما أصابها.
في عام 947ه هدم السلطان العثماني سليمان القانوني المئذنة الشمالية الشرقية المعروفة «بالسنجارية» وأقام مكانها مئذنة أخرى عرفت «بالسليمانية» نسبة إليه، ثم «بالعزيزية» نسبة لعبد العزيز خان بن محمود حين أعاد إعمارها على نمط العمارة المجيدية، وجعل لها ثلاث شرفات.
في عهد السلطان محمد الرافع 1058 1099ه جددت منارة باب السلام. ثم في التوسعة التي أجريت في عهد السلطان عبدالمجيد الأول من عام 1265ه إلى عام 1277ه جددت المنارات كلها عدا المنارة الرئيسة، وجعلت المنارة الشمالية الغربية على رسم منابر الآستانة بشرفات ثلاث، وصارت تسمى «المجيدية» نسبة إليه.
مآذن المسجد في التوسعة السعودية:
وفي التوسعة السعودية الأولى التي أجراها الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1370 ـ 1375هـ أبقي على مئذنتي الجهة الجنوبية، وأزيلت الثلاث الأخر، وشيد عوضاً عنها مئذنتان جديدتان في ركني الجهة الشمالية، يبلغ ارتفاع الواحدة منها سبعين متراً، وتتكون كل مئذنة من أربعة طوابق:
الأول: مربع الشكل، يستمر أعلى سطح المسجد، وينتهي بمقرنصات، تحمل شرفة مربعة.
والثاني: مثمّن الشكل، زين بعقود، وتنتهي بشكل مثلثات، وفي أعلاه مقرنصات، تعلوها شرفة.
والثالث: مستدير، حلي بدالات ملونة، وينتهي بمقرنصات تحمل في أعلاها شرفة دائرية.
والرابع: مستدير أيضا، له أعمدة تحمل عقوداً تنتهي بمثلثات، في أعلاها مقرنصات، وفوقها شرفة. وقد حاولوا الارتفاع بالمئذنة عن الوضع المألوف فعملوا شبه طابق خامس بشكل خوذة مضلعة، تنتهي بشكل مخروطي، يعلوه قبة بصلية.
المآذن في توسعة الملك فهد:
وفي التوسعة السعودية الكبرى توسعة خادم الحرمين الشريفين، التي استمرت من 1406 إلى 1414هـ أضيف ست مآذن أخرى، ارتفاع الواحدة 104م، وصممت بحيث تتناسق مع مآذن التوسعة السعودية الأولى، تصطف أربع منها في الجهة الشمالية، والخامسة عند الزاوية الجنوبية الشرقية من مبنى التوسعة، والسادسة في الزاوية الجنوبية الغربية منها أيضا، تتكون كل مئذنة من خمسة طوابق:
الأول: مربع الشكل، ضلعه 50 ،5م وارتفاعه 27م، مغطى بحجر الجرانيت وينتهي بشرفة مربعة.
الثاني: مثمّن الشكل قطره 50 ،5م وارتفاعه 21م، مغطى بالحجر الصناعي الملون، وعلى كل ضلع ثلاثة أعمدة من المرمر الأبيض، فوقها عقود تنتهي بشكل مثلثات، وبين الأعمدة نوافذ خشبية، تنتهي بمقرنصات تحمل شرفة مثمنة.
الثالث: مستدير قطره 5م، وارتفاعه 18م كسي بلون رصاصي داكن، وحلي بدالات بارزة مموّجة، شكلت اثني عشر حزاماً، ينتهي بمقرنصات تحمل شرفة مستديرة.
الرابع: دائري الشكل قطره 50 ،4م وارتفاعه 15م، عليه ثمانية أقواس تستند إلى أعمدة رخامية بيضاء، تعلوه مقرنصات تحمل شرفة دائرية.
الخامس: يبدأ بشكل اسطواني مضلع، وينتهي بتاج مشرشف يحمل الجزء العلوي المخروطي الشكل، يتلوه قبة بصلية تحمل هلالاً برونزياً ارتفاعه 70 ،6 ووزنه 5 ،4 أطنان، مطلي بذهب عيار 14 قيراطاً.ومن المعلوم أن التيار الكهربائي منذ أن دخل المسجد النبوي الشريف ترك المؤذنون الأذان على المآذن وأصبحوا يؤذنون على المنصة المقامة في الطرف الغربي من الروضة الشريفة، لكن بقي للمئذنة دورها في تبليغ الأذان عبر مكبرات الصوت التي توضع عليها.
أول منبر للرسول:
كان صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، فشق عليه ذلك، فصار يخطب إلى جذع نخلة يستند إليه إذا طال قيامه، ثم أشير عليه بالمنبر، فاتخذه في السنة السابعة أو الثامنة من الهجرة، ووضع في الجانب الغربي من مصلاه، وكان من الطرفاء «الأثل».
فضائل منبر الرسول:
ولمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فضائل جاءت بها الأحاديث، فمن ذلك: ما رواه الشيخان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي».وروى أحمد وغيره، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن منبري على ترعة من ترع الجنة».
وأخرج النسائي، عن أم سلمة رضي الله عنها: «إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة». وأخرج أبو داود وابن ماجه، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار». أو: «وجبت له النار».
مراحل تطور المنبر:
مرّ المنبر الشريف عبر تاريخه بمراحل عدة يمكن إيجازها فيما يلي:
كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين مكوناً من ثلاث درجات، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعة أشبار وشيء، ومجلسه ذراع في ذراع، وارتفاعه ذراعان، له رمانتان ارتفاع الواحدة نصف ذراع وكان صلى الله عليه وسلم يقف على الدرجة الثالثة منه، ثم نزل الصديق درجة، ثم عمر كذلك، وأقام عثمان على الدرجة السفلى ست سنين، ثم ارتقى بعدها حيث كان صلى الله عليه وسلم يقف.
وظل المنبر على حاله حتى زاد فيه مروان بن الحكم عامل معاوية رضي الله عنه على المدينة ست درجات من أسفله، فصار تسع درجات، يقف الخلفاء على الدرجة السابعة، وهي الأولى من المنبر الشريف.
واستمر المنبر على هذا حتى عام 654هـ حيث احترق المسجد النبوي فاحترق باحتراقه المنبر، وفقد الناس بركته، فأرسل المظفر ملك اليمن منبراً جديداً من الصندل، له رمانتان، فنصب في موضع المنبر النبوي الشريف.
وفي سنة 664هـ أرسل السلطان الظاهر بيبرس البندقداري منبراً جديداً بتسع درجات، له باب بمصراعين، في كل مصراع رمانة من فضة، كتب على الجانب الأيسر منه اسم صانعه، فنصب موضع المنبر السابق، وخطب عليه حتى عام 797هـ. وفي العام المذكور ظهرت في المنبر آثار الأرضة، فأرسل الملك الظاهر برقوق منبراً جديداً استمر حتى عام 820هـ.
ثم أرسل السلطان المؤيد شيخ منبراً آخر بثماني درجات بعدها مجلس، ارتفاعه ذراع ونصف الذراع، له قبة يعلوها هلال، وبابه بمصراعين، فحل محله. وفي عام 886هـ احترق المسجد النبوي الشريف، واحترق معه المنبر، فبنى أهل المدينة منبراً من الآجر، طلوه بالنورة والجير.
ثم أرسل السلطان الأشرف قايتباي منبراً من الرخام الأبيض، حرص السيد السمهودي أن يضعه موضع منبر النبي صلى الله عليه وسلم تحديداً، فلم يوافق متولي العمارة، فوضع مقدماً إلى القبلة عشرين قيراطاً، وزحف إلى الروضة ثلاثة قراريط «خمسة أصابع».
وفي عام 998هـ أرسل السلطان مراد العثماني منبراً جديداً وضع موضع منبر قايتباي ونقل منبر قايتباي إلى مسجد قباء وبقي فيه حتى عام 1408هـ حيث التوسعة الكبرى لمسجد قباء، فاحتفظ به في مكتبة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة. أما منبر السلطان مراد فقد صنع من المرمر النقي، وهو غاية في الجمال ودقة الصناعة، يتكون من اثنتي عشرة درجة، ثلاث خارج الباب، وتسع داخله، تعلوه قبة هرمية لطيفة، محمولة على أربعة أعمدة مضلعة رشيقة من المرمر، وبابه من الخشب القرو يتكون من مصراعين مزخرفين بزخارف هندسية إسلامية، مدهون باللون اللوزي الجميل وفوقه شرفات هن آية في الروعة، كتب في الوسط «لا إله إلا الله محمد رسول الله».
وقد اهتمت حكومة المملكة العربية السعودية بهذا المنبر، وشملته بالرعاية والعناية المستمرة، وتقوم بطلائه بماء الذهب كلما دعت الحاجة إلى ذلك، ووضعت ورقاً شفافاً لحمايته من اللمس حفاظاً عليه، وليبقى شاهداً على دقة الفن الإسلامي وأحد أعاجيبه الباقية.
|