Friday 21st June,200210858العددالجمعة 10 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

مدينة الضباب مدينة الضباب
د. محمد بن عبدالرحمن البشر

قمت بزيارة مع عدد من الزملاء السفراء الى مدينة تشن داو الصينية الواقعة على الجانب الشرقي من الصين والمطلة على المحيط الباسيفيكي وقد كانت زيارة حافلة بالأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تخللها لقاءات رسمية مع حاكم المدينة ومعظم كبار المسؤولين بها.
وما حداني للكتابة عن هذه المدينة هو ذلك التطور الهائل والكبير الذي حققته المدينة في مدة قصيرة، فهذه المدينة البالغ عدد سكانها سبعة ملايين نسمة تقع في مقاطعة شان دون البالغ عدد سكانها نحو مائة مليون نسمة، واستوطن الإنسان بها قبل ستة آلاف عام، وعاش الفيلسوف كنفوشس بها قبل ثلاثة آلاف سنة وأخذت فلسفته في الانتشار الى جميع مناطق الصين المختلفة، كما أن الفلسفة الطاوية أيضاً بدأت من مدينة تشن داو، ولهذا فإن هذه المقاطعة تعتبر معقل الفلاسفة الصينيين على مر العصور، وقد وصل الدين الإسلامي الى هذه المدينة العريقة في عصر الخلفاء الراشدين وقد بلغ عدد المسلمين بها في الوقت الحاضر أكثر من نصف مليون نسمة، وبلغت المساجد في هذه المدينة اكثر من ثمانمائة مسجد يمارسون فيها عبادتهم للبارئ جل وعلا.
لقد تعاقبت العصور التاريخية على هذه المقاطعة مثل عصر نانج وسونج ويان ومنج وشنج، وعاشت في ظل هذه العصور بحسناتها وسيئاتها، ولكن إنشاء مدينة تشن داو الحقيقي كان في 1891م عندما أرسلت حكومة شنج جيوشها الى هذه القرية الصغيرة، ثم ما لبث أن قدم الألمان إليها واستعمروها في عام 1897م لكنهم تخلوا عنها بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، ثم ما لبث أن استولى عليها اليابانيون، وفي عام 1945م كانت في يد الحكومة الوطنية، ثم ضُمت الى الصين في عام1949م وظلت مدينة صغيرة حتى بدأت تنهض في العشرين سنة الماضية.
واللافت للنظر أن نمواً سريعاً طرأ على المدينة في فترة زمنية محدودة حيث قفزت بشكل مذهل في فترة لا تتجاوز خمس عشرة سنة فقط، وأصبحت مكاناً لكبريات الشركات الصينية العاملة في مجال التقنية والأهم من ذلك تلك المساهمة الكبيرة للمدينة في الناتج القومي الصيني، ومساهمتها الفعالة في التصدير لجلب العملة الصعبة التي تساعد على استمرار الفائض في التبادل التجاري، ولهذا فإن المرء يرى نموذجاً يتمنى أن يجد له مثيلاً، فالمدينة أياً كانت لابد لها من مساهمة في الانتاج للحد من الاستيراد والمساهمة في جلب العملة الصعبة وإلا فإنها ستكون عالة على الحكومة المركزية، تأخذ دون أن تقدم جهداً يساهم في الاقتصاد الوطني.
إن المدن تحتاج أن تكون مساهمة بما يتوفر لديها من إمكانات زراعية أو صناعية أو سياحية ولا يمكن أن يظل قاطنوها مجرد جيش من الموظفين الذين تقدم لهم الدولة الرواتب لصرفها على المنتجات المستوردة التي من خلالها تتسرب العملة الصعبة القادمة من الخارج الى المكان التي قدمت منه بدلا من أن تدور داخل البلاد لتزيدها نمواً وتسارعاً.
لقد كانت المدينة جميلة المنظر نقية الهواء، وكان الضباب يغطي المباني الحديثة الجميلة المترامية، وكان الضباب يتلامس مع سطح البحر في منظر قل نظيره وكأن المرء يرى بحراً من الماء قد تواصل من الأرض الى السماء، فيا لها من مدينة جميلة منتجة.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved