تحتاج هندسة السياسة الخارجية للدول إلى مبادئ راسخة تحدد مصالح الدول وتعرف سبل تحقيقها، وإلى عقول مفكرة تصوغ هذه السبل وتختار بينها وتنسق وتحدد الأفضل منها.
وسياسة المملكة -ولله الحمد- منذ نشأة هذا الصرح وتكونه على يد المؤسس الملك عبدالعزيز صقر الجزيرة - طيب الله ثراه - وهي من الوضوح والصراحة بحيث لا تحتاج إلى عناء لتفسيرها أو تحليل أبعادها، وذلك انطلاقاً من رسوخ مبادئها التي تقوم عليها، وأيضاً من حرص مهندس السياسة الخارجية على انتقاء أفضل الأساليب التي تحقق أهدافها. وكل ذلك أعطى لسياستنا الخارجية تلك المصداقية التي تتمتع بها على الساحة الدولية وعلى الأصعدة كافة.
ويذكر التاريخ العمل السياسي بالمملكة العربية السعودية منذ تأسيسها ارتباط سياستها الخارجية بمناصرة الحق والعدل والسلام والحرص على مناصرة القضايا الإسلامية والعربية وتبني قضية العرب والمسلمين الأولى «القضية الفلسطينية» وبذل الجهود لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني وإحلال السلام في المنطقة لتتحول الجهود إلى السلام والبناء والتعمير والتنمية.
كما يذكر التاريخ ارتباط السياسة الخارجية للمملكة بحرصها على تحقيق التضامن العربي والإسلامي، ومن المعروف ان أول مؤتمر عالمي إسلامي عقد في القرن العشرين قد احتضنته مكة المكرمة، كما شهدت مكة المكرمة ظهور منظمة رابطة العالم الإسلامي ثم جاءت منظمة المؤتمر الإسلامي، وكان الملك فيصل رحمه الله نِعْم المهندس للسياسة الخارجية كأول وزير للخارجية بالمملكة.ويفخر كل سعودي عندما ينظر إلى حقائق سياسة وطنه الخارجية وحينما يجد الأبناء البررة يتابعون نهج آبائهم الكرام، فها هو ذا صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية وبتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين يجعل للدبلوماسية السعودية حضورها المتميز على الساحة الدولية نشاطاً ووضوحاً. فسياستنا الخارجية لاتعرف دهاليز الظلام أو ارتجاف المفاوض بل تتسم بالصدق والمصداقية والصراحة والوضوح والعمل المخلص الدؤوب الذي لايعرف التوقف أمام الصعوبات، ولايعرف الملل أمام المشكلات، ومهندس السياسة في بلادنا يستند إلى مبادئ ثابتة وراسخة وله النصيب الأوفر من العلم بحقائق المتغيرات الدولية وتأثيراتها، والمستجدات وكيفية الاستفادة منها من غير ان يؤثر ذلك كله في رسوخ مبدأ أو متانة الأسس التي تستند إليها سياستنا الخارجية، لأن دبلوماسيتنا تتحلى بخلق رفيع لا تطغى عليه مصلحة أو تعلو عليه متغيرات مؤقتة.لقد أكد ذلك سمو وزير الخارجية منذ سبعة عشر عاما في خطابه أمام اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي انعقد في مدينة فاس بالمملكة المغربية الشقيقة بقوله: «إن العالم الإسلامي خلافا لما يروِّجه الموتورون ليس مركزاً للتعصب والارهاب، ولكنه ظل عبر السنين الماضية ضحية التعصب والتطرف والارهاب، إن العالم الإسلامي ليس خطراً على أحد، ولكنه لا يقبل ان يكون أحد خطرا عليه».كما أكد سموه في الخطاب نفسه على: «إن قرار السلام في منطقة الشرق الأوسط إنما يقتضي حل القضية الرئيسية وهي قضية فلسطين وذلك بالاعتراف للشعب الفلسطيني بحقوقه الثابتة والمشروعة في تقرير مصيره على أرضه ووطنه، ويتطلب ذلك السير بخطوات جادة وحثيثة حتى يتسنى تفادي المضاعفات التي يولدها التباطؤ والتلكؤ اللذان يعرقلان الجهود المبذولة لتحقيق السلام.
إن تعنت إسرائيل ومحاولاتها الدائبة لعرقلة جهود السلام كسباً للوقت لتحقيق أغراضها واطماعها تؤدي إلى اتاحة الفرصة لمزيد من الاضطراب وتقود إلى مضاعفات تزيد من صعوبة حل القضية وتضاعف من احتمالات تفاقم الأوضاع والانفجار في المنطقة».
بمثل هذا الوضوح والتحليل للموقف يرسم صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل منذ سبعة عشر عاما صورة كاملة لما يمكن ان يؤول إليه الوضع في المنطقة في ظل التعنت الإسرائيلي الذي لا يريد حلاً، فماذا كان من السياسة الخارجية السعودية بعد ذلك؟ لقد وضعت الأمور في نصابها وتقدمت بمبادرة شجاعة في نفس إطار ثوابتها في سياستها الخارجية حرصاً منها على الحقوق العربية، وصيانة لمبادئ السلام والعدل، وسعياً إلى ان يعم الاستقرار المنطقة والعالم.
ورحب العرب بالمبادرة وتبنوها بعد ان رأوا فيها وبكل ثقة اعتزازهم بحقوقهم المشروعة وحفظاً لثوابت هذه الحقوق ورأوا فيها براعة دبلوماسية سعودية تكشف للعالم أجمع عن حقائق كاد يطمسها الإعلام المعادي للقضية الفلسطينية ثم رحب العالم بالمبادرة العربية ورأى فيها براعة الهندسة السياسية بعد ان فتحت الآمال للحلول السلمية التي ترد الحقوق وتضمن السلام.
وكثيراً ما يعبر سمو وزير الخارجية عن ثوابت السياسة السعودية بوضوح لا يحتاج إلى تفصيل أو استجلاء، وبصراحة لا تقبل التفنيد أو التفصيل مما جعل العالم يقف أمام سياستنا الخارجية موقف الواثق والمطمئن في آلياتها وأدواتها قدر اطمئنانه في ثوابتها ومبادئها.
فتحية إجلال وإكبار لهذه السياسة التي يصح ان نطلق عليها وبكل فخر «صناعة سعودية»، وتحية لقيادتنا الحكيمة، ووفق الله ذلك المبدع البارع للسياسة الخارجية إلى كل خير.
وبالله التوفيق.
|