توهم المرض
* والدي يبلغ من العمر 41 سنة، كان في صحة جيدة الى ان توفيت والدته «جدتي» بمرض القلب رحمها الله ومنذ ذلك الوقت وهو يعاني من آلام وشكاوى جسدية، وضعف في الصحة، وقلة شهية للطعام، وينتابه إحساس بأن لديه مرضاً في القلب، مما جعله يتنقل بين عيادات الأطباء، ويجري العديد من الفحوصات لوظائف القلب.
وكلها كانت سليمة، وكثيراً ما يحس بوخزات في الحانب الأيسر من الصدر، وقد نصحه بعض الأطباء بعرض نفسه على طبيب نفسي فرفض، فماذا أستطيع أن أفعل لمساعدته.
يبدو من هذه المعلومات ان الوالد لديه ما يسمى ب«توهم المرض»، وهو اضطراب نفسي يتعلق بمحتوى التفكير، حيث ينشغل ذهن الشخص، «الى درجة كبيرة» بوظائف جسمه وصحته، ويتصور أن لديه مرضاً خطيراً يهدد حياته، وأنه على وشك الموت، فتراه يفسر أي عرض بسيط «كالخفقان في القلب مثلاً» على انه علامة على المرض ودليل واضح ينبغي ألا يُهمل. ولذا تجده يجري الفحوصات واحداً تلو الآخر، ويتنقل بين العيادات والمستشفيات باحثاً عن نتيجة تقنعه بأنه مريض فعلاً. وقد لا يقتنع بكثير من آراء الأطباء إذا كانت تنفي وجود مرض جسدي لديه، حتى وان كانت آراؤهم مبنية على تحاليل وفحوصات موثوقة.
هذا المرض موجود بكثرة ولكن اكتشافه قد يصعب، حيث ان المريض لا يستقر في مراجعته عند طبيب واحد، بل يتنقل بين عدد من الأطباء .
وقد أوضحت الدراسات في هذا المجال أن ما يقارب 85% من هذه الحالات تكون ثانوية، ناتجة عن اضطرابات نفسية اخرى كالاكتئاب والقلق ونحوهما، وحيث ان الوالد حديث عهد بفقد والدته رحمها الله فقد يكون توهمه المرضي هذا جزءاً من حالته النفسية التي يمر بها بعد هذا الحدث، ومرحلة الحزن بعد فقد عزيز تعد أمراً طبيعيا وتغيراً نفسياً متوقعاً، وقد تمتد لعدة أشهر ولكنها تزول بالتدرج.
ويكثر التوهم المرضي لدى نوعية من الناس أكثر من غيرهم، وهم اولئك الذين يتصفون بالحساسية الزائدة خاصة تجاه الجوانب الصحية، وما يتعلق بها من أمور النظافة ونحوها لذا تراهم يتابعون بدقة الأخبار الصحفية المتعلقة بالأمراض، ويقتنون الكتب والمجلات الطبية. ويبادرون الى إجراء الفحوصات الكثيرة عند أدنى علة صحية.
إن أحد أهم العوامل المفاقمة لهذا المرض هو إصابة أحد الأقارب بمرض خطير أو موته به حيث يزداد قلق الشخص حول صحته، ويخاف على نفسه من ذلك المرض، الى درجة التوهم انه مصاب بالمرض نفسه، وأن مصيره سيكون كذلك اذا لم يبادر بالعلاج.
ومما يؤخر شفاء هذ المرض «التوهم المرضي» وجود مشاكل نفسية واجتماعية كبيرة تتطلب من المريض الصبر والمواجهة وهو بصحة جيدة. فيظل المريض في دوامة توهمه المرضي أهون من مواجهة المشاكل المقبلة التي تُلقى عليَّ لو أصبحت صحيحاً معافى، فالاستمرار في هذا التوهم يخفف عناءً كثيراً، وقد لا يدرك المريض هذا الأمر إدراكاً تاماً.
وتشمل الخطة العلاجية الالتفات لجميع الظروف النفسية والاجتماعية المحيطة بالمريض، ومؤازرته وإعانته للتغلب عليها، وفتح المجال له للتحدث عن معاناته النفسية ومخاوفه وقلقه، ومحاولة التطمين والإقناع بهدوء، والإسراع في معالجة أي اعتلال نفسي «كالاكتئاب والقلق..».
وينبغى تذكير المريض بقول الله تعالى: «قُل لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا» بكل مدلولات الآية.
د. محمد عبدالله الصغير استشاري الطب النفسي |