* حوار عوض مانع القحطاني:
قد يدمر اليأس حياة الإنسان الضعيف المستسلم، ولكن هناك من يعتصم بالصبر والاحتساب والعزيمة القوية المليئة بالإيمان.. هناك من يفقد حاسة من حواسه، ومع هذا قد يكون ذلك سبباً لنجاحه وقد تكون هذه الإعاقة دافعاً قوياً له أن يكون نموذجاً للعطاء والتميز.
في هذا اللقاء نحن أمام أنموذج من النماذج الناجحة.. إنسان فقد بصره ولكنه تحدى الإعاقة وقهر الظلام.. تغلب على ذلك وكان له بفضل من الله النجاح في حياته العملية والاجتماعية. هذا النموذج هو محمد بن علي أحمد المشعل، شيخ الصناعيين بمدينة الرياض الذي فقد بصره ولكنه واصل طريق النجاح.. فماذا قال عن تجربته وحياته وكيف فقد بصره بعد أن كان ملء السمع والبصر في صناعية الرياض وميكانيكا السيارات.
يتحدث شيخ الصناعيين في الرياض بداية عن فقده لبصره فيقول:
* صدق الله العظيم.
* يعني بصيرة القلب قبل بصيرة العين.
فالحمد لله، والشكر لله، فقد كنت من قبل فنيا أعمل في مجال صيانة السيارات وكان مشهوداً لي بذلك، وبفضل الله بعد فقدي للبصر أكملت مسيرتي، لم تثنني تلك الإعاقة عن الجد والعمل والمثابرة.
ويضيف المشعل: أما قصة فقد البصر فقد شاء الله أن أسافر للمنطقة الشرقية في عمل خير وصلة رحم، ألا وهي صلة رحم لشقيقتي التي توفي زوجها، فكنت أصلها باستمرار أزورها للاطمئنان عليها وعلى أبنائها، ذهبت من الرياض يوم الأربعاء ورجعت يوم الجمعة من شهر ربيع الأول عام 1412هـ وفي الطريق عند رجوعي وبصراحة كنت من الأشخاص الذين يحبون السرعة، كنت أحب قيادة السيارات بسرعة، كانت قيادة السيارات في دمي وحياتي، بصراحة كنت أحب السرعة، وكنت بارعاً في قيادة السيارات لدرجة كنت أعتز فيها بنفسي، كنت شخصاً متمكناً من قيادة السيارة، ولكن ليس هناك شخص حريف، أو متمكن، لأنه عندما يأتي القدر تذهب كل المواهب وكل الامكانات أدراج الرياح، نعم.. كنت أسير بسرعة 80 كم في الساعة ووقفت لقضاء بعض الأشياء، وكنت قبل توقفي أربط حزام الأمان.
وبالمناسبة هذه كلمة أوجهها لكل قائد سيارة، لكل أب، لكل أخ، أدعوه أن لا يقع في غلطتي، أدعوك أخي قائد السيارة وأوجه لك نداء هاماً، نداء من إنسان دخل تجربة السيارات لأكثر من «32» عاماً، وكنت مهندساً لجميع أنواع السيارات، من السير بسرعة، نعم لا تسرع يا أخي قائد السيارة حتى تستطيع التحكم في قيادة السيارة بدلاً مما تتحكم هي فيك، كنت أسير بسرعة تصل إلى 200» كم، ولكن غلطتي كانت السرعة، نعم السرعة التي دفعت ثمنها باهظاً ولله الحمد أنني على قيد الحياة.
وغلطتي الثانية هي انني نسيت أن أربط حزام الأمان، وكانت الساعة الحادية عشرة صباحاً عندما قررت أن أدرك صلاة الجمعة بمدينة الرياض، فقررت زيادة سرعتي من «80» كم إلى 160» كم، ولم أربط حزام الأمان، نعم سرعة وبدون حزام وقمت بتثبيت السرعة، وما أن سرت لأكثرمن 80 كم حتى انفجر إطارا السيارة الأمامي والخلفي وفقدت السيارة توازنها، وضاعت الحرفنة، والهندسة، نعم.. نسيت كل شيء عن السيارات وكان همي الوحيد تفادي السيارات لذلك أخذت السيارة إلى خارج الطريق، وكانت نزلتي على وادي، انقلبت السيارة لأكثر من مرة ولم يضرني ذلك كثيراً ولكن قدر الله أن ترتطم السيارة بالشبك الجانبي للطريق وإذا بماسورة تضربني على وجهي وفي لحظتها فقدت نور عيني.
* ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، طبعاً سالت الدماء ولم أشعر بنفسي إلا في المستشفى، والشكر لله راح بصري ولكن البصيرة موجودة، دخلت المستشفى وبكل صراحة وبكل أمانة وجدت كل الذي زرعته من عمل خير في حياتي أن أحصده الآن، وجدت الأصدقاء، وجدت العملاء الذين كانوا يترددون علي في مجال العمل، وبكل أمانة وليس مجاملة في هذا اللقاء أشكر سيدي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز وإخوانه الأوفياء والأسرة الكريمة لما قدموه لي من كل التسهيلات بمستشفى الملك فهد بالرياض، فجزاه الله عني وعن كل المسلمين كل خير، و أن يمد الله في عمره ويرزقهم جميعاً البطانة الصالحة، وبقيت بالمستشفى ثلاثة أشهر.
* كيف كان تقبلك لفقد البصر؟
بكل صراحة بعد خروجي من المستشفى، وبعد أن علمت بأني قد فقدت بصري دون رجعة، وأسمح لي هنا وليس لدعاية ولكن للعرفان أن أشكر الدكتور خالد الجميل، الذي لم يتركني ولا يوما منذ دخولي للمستشفى، ويطمئن على صحتي يومياً، وكان يريد أن يخبرني بأن فقدت البصر ولكن لم يستطيع، مع أنني عرفت ذلك منذ أول لحظة عندما انطفأ نور عيني نتيجة الضربة التي أصابت وجهي لحظة الحادث، رضيت بقضاء الله وقدره، وأشكره كل الشكر، وأسأل الله أن يوفقه وجميع العاملين بالمستشفى.
* بعد أن فقدت بصرك كيف كنت تمارس حياتك؟
أنا فقدت بصري وأنا في الثلاثينيات من عمري، توقع شاب مثلي مهما كان متسلحاً بالإيمان، فلابد من التعب نفسياً، ولكن بالصبر والإيمان وبالسماع للأشرطة الدينية التي تحث على الإيمان بالله وتسليم الأمر له والصبر على المكاره ونظرتي لأنبياء الله الصالحين وعلى رأسهم سيدنا ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فكم جاءته من الابتلاءات، وكم صبر نوح عليه السلام في دعائه لقومه، ويوسف، وإبراهيم، وأيوب عليهم السلام، انظر لمعاناتهم وصبرهم لذلك لم تكن مصيبتي إلا جزءا بسيطا من ذلك، ولكن بعزيمة صادقة وإصرار قوي خرجت من تلك الأزمة، وبحمد الله لم أجلس أكثر من ثلاثة أشهر أو أربعة، ولقد سافرت خلالها لكل دول العالم محاولة للبحث عن علاج ولكن لم أجد العلاج، وكنت مقتنعاً منذ البداية بعدم امكانية العلاج ولكن إصراراً من أسرتي وأقربائي وحتى لا أتحسر فيما بعد قمت بذلك ولله الحمد والشكر.
* كيف كان استقبالك للوضع الجديد بعد أن عُدت لمزاولة عملك؟
الحمد لله حتى الآن وبدون فخر وأشكر الله على ما أعطاني من إحساس، بما أنني كنت أحب السيارات أسمع فقط صوت الماكينة على ضوء ذلك أحدد العطل.
* كيف تدير العمل الإداري والفني داخل الورش وأنت شخص كفيف؟
بصراحة كل رجل أعمال ناجح يدير المواقع ولا يذهب لها كلها يومياً ولكن بالمتابعة، أنا لي مكتبي الرئيسي، ولي من الفنيين المؤهلين، وكل مركز به مهندس يحمل بكالوريوس هندسة ميكانيكية وخبرة لا تقل عن عشر سنوات، وهو المهندس المسؤول عنه وآخر إدارياً أيضا يحمل بكالوريوس إدارة أعمال، وأنا معهم على اتصال دائم إذا لم أكن متواجداً، و أقوم بالاجتماع اسبوعياً لمناقشة المشاكل العملية.
وأحمد الله أنني كنت قبل فقدي بصري أملك مركزا واحداً أما الآن أصبحت أملك عدة مراكز وأستعد لفتح المزيد وكل ذلك بفضل الله وكرمه.
* ما كلمتكم لرجال الأعمال.. وللمجتمع؟
أقول لهم نحن المكفوفين والمعاقين لسنا عالة على المجتمع، نحن أناس نعمل ونجد ونجتهد، وكل ما أرجوه من اخواني رجال الأعمال التشجيع والمساعدة لكل كفيف وكل معاق، ويجب على كل رجال الأعمال وعلى رأسهم رئيس الغرفة التجارية الشيخ عبدالرحمن الجريسي أن يهتموا بالمعاقين كما يهتموا بالشباب خريجي الجامعات والمعاهد في إيجاد الوظائف وحل مشاكل المكفوفين والمعاقين بإيجاد الوظائف المناسبة لهم حتى لا يكونوا عالة على المجتمع.
* هل تعتقد أن المجتمع قد غير نظرته للمعاقين؟
نعم تغيرت النظرة ولكن ما زال هناك الكفيف والمعاق الذي ينظر له المجتمع بنظرة قاسية، إن كل شخص أنعم الله عليه بنعمة البصر أقول له أن يكون عوناً لمن يكون في حاجة له، سواء كان كفيفاً أو معاقاً، فهو يلقى رضى الله سبحانه وتعالى ورضا المجتمع.
* هل لك حضور للمؤتمرات والندوات التي تعقد لصالح المعاقين؟
نعم أنا مهتم بذلك وأحاول قدر المستطاع حضور مثل هذه الندوات وأنا لي تجارب في الحياة وعلى أتم الاستعداد لخدمة أخواني المكفوفين والمعاقين.
* من يقرأ لك عند تحويل المنازعات والأوراق الخاصة؟
عندي سكرتير، وهو متعلم ومثقف، وأثق به كثيراً.
* بحكم أنك شخص كفيف، ماذا تقول للمكفوفين؟
أقول لكل معاق، لكل من حدثت له إعاقة، سواء حصلت له نتيجة حادث أو ولد بها، سواء كان فاقداً للبصر أو أحد أجزائه، أقول له أن لا تيأس، نعم لا يأس مع الحياة، لا تيأس من رحمة الله، لا تقنط من رحمة الله لأن رحمة الله واسعة، وربنا لم يترك أي إنسان ومثالاً على ذلك ويجب أن نفخر كل الفخر به ونحذو حذوه، وهو قدوة لنا ومثل أعلى ألا وهو فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله رحمة واسعة والشيخ ابن حميد، والشيخ بن إبراهيم، والأستاذ عبدالله محمد الغانم، وسماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ وكثيراً منهم سواء داخل المملكة أو خارجها.
* هل تقرأ الكتب والمجلات والصحف اليومية؟
نعم أستمع لمجلة الفجر الناطقة المسجلة على أشرطة الكاسيت التي تعدها الأمانة العامة للتربية الخاصة بالإضافة إلى بعض الكتب الثقافية والأدبية التي تسجل للمكفوفين.
* لماذا لم تحاول تعلم طريقة برايل للمكفوفين؟
لم أتعلمها لأني أرى أنه لا داعي لتعلمها لأني ولله الحمد لست بحاجة إليها، فأنا أكتب بصورة جيدة، وأقوم بتوقيع الشيكات الخاصة بي بصورة جيدة، وأستطيع أن أكتب الرسائل بالخط العادي لدرجة أني عندما كنت في المستشفى كنت أخاطبهم بالكتابة.
* كيف تقضي وقتك؟
أقضي أكثر أوقاتي في العمل، فأنا أحب العمل لدرجة أني أجلس بعد انصراف العمال، أجلس حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً أراجع فيها عمل اليوم، وأحاول حل المشاكل التي تواجه العمال أثناء اليوم.
* من منطلق حبك للسيارات هل ما زلت تحبها بعد إصابتك بالعمى؟
نعم أقولها بصراحة أحب أن أقود السيارة وأنا في هذه الحالة ولكن لا يكون ذلك إلا خارج المدن أطلع للبر ويجلس أحد بجانبي وأستمتع بقيادة السيارة، وأحياناً كنت أخرج سيارتي من الجراج لدرجة أن سائقي الخاص كان يدهش لذلك عندما أقوم بإخراج السيارة من الجراج وإيقافها أمام الباب.
|